د.باسم الطويسي

الإفراج عن معتقلي الحراك: مصلحة وطنية عليا

تم نشره في الاثنين 22 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

لا يوجد سند دستوري أو قانوني حقيقي لاعتقال شباب الحراك الشعبي، واستمرار توقيفهم طوال هذه الفترة. كما لا توجد حاجة للبحث عن مبررات ومسوغات قانونية للإفراج عنهم؛ فقد أصبحت هذه المسألة مصلحة وطنية عليا مع ازدياد حالة الاحتقان الشعبي، وتراكم أخطاء السياسات العامة، وإقبال الحكومة على قرارات غير شعبية في الملف الاقتصادي تتطلب توفير بيئة قادرة على تجرع تلك القرارات.
لا يوجد شيء يجمع عليه الأردنيون أكثر من منظومة القيم الوطنية العليا، ومنها رفض مضامين بعض الهتافات التي تجاوزت السقوف والتقاليد الوطنية الأردنية، على الرغم من أن المواثيق الدولية تعد ذلك ضمن حرية التعبير التي يحميها القانون أكثر مما يعاقب عليها. إلا أن اللجوء إلى حبس الحرية يزيد من تطرف التعبير أكثر من الحد منه.
مارست الحكومة السابقة عمليا أسوأ فصول الصدام مع الحراك الشعبي على الرغم من كل ما وصفت به. وأدت الاعتقالات وعمليات التضييق ومصادرة الحريات العامة إلى وصول الحراك الشعبي إلى أشد لحظات التطرف. وأثبتت هذه المعطيات عمليا فشل القبضة الأمنية في مواجهة حقوق الناس ومطالبهم.
ما تزال الأسباب والخلفيات التي أتت بالحركة الاحتجاجية الوطنية قائمة، وتتفاقم يوما بعد يوم. ووفق الفهم التاريخي لتحولات الحركات الاحتجاجية الاجتماعية ذات التعبيرات السياسية الحادة، فإن الحراك الشعبي في المحافظات تحديدا مرشح للمزيد من التصاعد مع إخفاق الدولة المستمر في تطوير أدوات إيجابية في التعامل مع أسباب الحراك ودوافعه، وعدم وجود خطاب سياسي واجتماعي يدعم الأدوات المفترض أن تطورها الدولة. بمعنى أوضح، أكدت الحكومات الأربع السابقة فشلها في تقديم رؤية واضحة يمكن النقاش حولها في التعامل مع الحراك، ما يجعل مهمة الحكومة الانتقالية تتسم بحساسية عالية في التعامل مع هذا الملف.
إلى هذا اليوم، ما يزال الربيع الأردني الذي تعبر عنه الحركة الاحتجاجية حالة غير مسبوقة في الانضباط بالمفهوم الاجتماعي السياسي، وأي محاولة لتكرار سلوك الحكومة السابقة بمعالجات متطرفة ستقوده إلى المزيد من التطرف. فالانكشاف الواسع للفساد، واختلال العلاقات بين الدولة والمجتمع وبين الداخل والخارج، تضع أمام الدولة خيار التخلص من أوهام الماضي. زد على ذلك الطريقة التي تعامل بها مجلس النواب السابق في تصفحه وطيه لملفات الفساد واحدا تلو الآخر، إلى جانب الانتقائية التي وصلت حد السلوك الكيدي في التعامل مع هذه الملفات، وهو سلوك لا يليق بدولة ولا برجالها ونخبها، الأمر الذي سيراكم المزيد من النقمة والإحباط وسط القواعد الاجتماعية العريضة.
الانفتاح على الحراك الشعبي، وتطوير رؤية وطنية في هذا الملف، قد يسهمان في سد جانب من الفراغ السياسي في التعامل مع المرحلة الانتقالية. ما يعد مصلحة وطنية عليا من منظور استراتيجي لقوة الدولة واستقرارها.
ليس المطلوب من الحكومة الجديدة أن تعمل على تهدئة خطوط التماس مع الحراك الشعبي وحسب، بل أن تُدخل البلاد في حالة سياسية تفرّغ الشد الاجتماعي والسياسي، من خلال الاقتناع بأن الساحة الداخلية تحتاج إلى أدوات جديدة ولغة جديدة في التعامل معها، بعيدا عن وهم شيطنة الحراك الشعبي ومحاولة تشويه أهدافه؛ فهذه الأطروحة لن تبعد الحراك عن القواعد الاجتماعية بقدر ما تزيد العمق الاجتماعي للاحتجاج، وتزيد من غربة الدولة عن المجتمع. لذا، فالإفراج عن معتقلي الحراك قبل العيد رسالة في منتهى الأهمية للتدليل على أن الحكومة تسعى إلى تغيير مزاج الناس على أقل تقدير.

[email protected]

التعليق