عيسى الشعيبي

مسيرة الجمعة بين النجاح والإخفاق

تم نشره في الثلاثاء 9 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

أما وقد باتت مسيرة يوم الجمعة الماضية وراءنا بعدة أيام، وتلتها وما تزال تتلوها وقائع واستحقاقات عديدة، ذات صلة مباشرة بمتعلقات تلك المسيرة التي مرت بسلام، فإن السؤال الجوهري الذي ظل مضمراً في سائر التعليقات والمواقف حول هذه الوقفة الاحتجاجية المنظمة جيداً، لا يتعلق حقاً بمسألة العدد، ولا ببلاغة الحضور وقوة الإثبات، وإنما ينصب أساساً على مدى النجاح في تحقيق الغاية المركزية من وراء تنظيم هذه المسيرة التي حبست الأنفاس قبل أن تمضي على أحسن ما يرام.
في معرض الإجابة عن هذا السؤال الخلافي بامتياز، ينبغي بداهة وضع معايير واضحة، وإدخال مؤشرات تقبل العد والقياس، وذلك حتى نختصر السجال الذي خف تدريجياً، وفحص الآراء الأولية المتفاوتة والتقويمات الانطباعية الملتبسة، سواء حول الشوط الذي حققته هذه المسيرة على سلم النجاح، أو المدى الذي بلغته، في المقابل، من الفشل والإخفاق، لعل ذلك يفضي إلى وضع حد للنقاش المثقل بالرغبات الذاتية، والخلاف الذي يواصل مع مرور الوقت ذهابه أدراج الريح.
فإذا تم النظر إلى هذه المسيرة من زاوية قدرة المنظمين على الحشد بصورة طيبة، فقد أثبت الإخوان المسلمون أنهم قوة يعتد بها، وأنهم مكوّن لا ينبغي تجاهله أو القفز عنه في كل الأحوال. وإذا ما تمت محاكمة المشهد برؤية كلية جامعة، فقد سجلت الدولة من خلال آليات الاحتواء والاستيعاب الملائمة، مكسباً مضافاً إلى رصيدها الإيجابي في التعامل مع المسيرات والاحتجاجات المتواصلة، وجلا صورتها كدولة تنتمي إلى عهد حفظ الأمن بالقوة الناعمة، وتحترم التعددية والحريات.
أما إذا استخدمنا مسطرة قياس مقروءة، بعيداً عن الأهواء الشخصية والمواقف السياسية المسبقة، وطرحنا سؤالاً من وزن: هل حققت هذه المسيرة أهدافاً تخدم غاية منظميها المركزية في كبح التسجيل، وتبهيت عملية الانتخابات البرلمانية الوشيكة، حتى لا نقول تفشيلها؟ فإن الإجابة هنا حاسمة عن هذا الصعيد، وليس أدل على ذلك من تنامي أعداد المسجلين، واستكمال المتطلبات الدستورية الممهدة لعملية انتخابية من المقدر لها أن تجرى وفق أفضل المعايير المعمول بها في الديمقراطيات التي أتت محمولة على جناح الربيع العربي.
وعليه، فقد بدت مسيرة يوم الجمعة، أياً كانت جموعها غفيرة أو ضئيلة، وأياً كانت شعاراتها معتدلة الحرارة أو ساخنة، وكأنها لعبة جرت في الوقت بدل الضائع، إن لم تكن وقعت بعد صافرة النهاية، الأمر الذي فوت على أصحابها إيصال الرسالة في الوقت المناسب، ومفادها "بدوننا لا انتخابات"، ناهيك عن حمل المخاطبين بها على إعادة المراجعة وإجراء التقويمات اللازمة، لدرء كل ما يترتب على مثل هذه المسيرة الاحتجاجية من مضاعفات سلبية محتملة على قوام العملية الانتخابية.
وهكذا، وبعد أن تأخرت هذه المسيرة عن وقتها المناسب، وأخفق القائمون عليها في ضم سائر ألوان الطيف المعارض، وفشلوا في الرهان على إحجام المواطنين عن التسجيل للانتخابات، ورفضوا مختلف العروض، وردوا بعض الوسطاء، فقد بدا "الإخوان" ليس فقط كمن سجل هدفاً في خارج المرمى، وإنما أيضاً كمن سجله بعد انتهاء زمن المباراة، الأمر الذي يمكن معه القول إن مفاعيل هذه المسيرة كانت فوق الصفر بقليل، بالقياس إلى هدفها الأخير في التأثير سلباً على مجريات عملية الانتخابات.
وطالما أن الانتخابات العامة سوف تجرى في موعد مرجح أوائل العام المقبل، بكتلة ناخبين ناهزت المليوني مقترع، فلن يكون هناك بعد الآن عزاء لمن آثروا على أنفسهم القبول بقواعد اللعبة البرلمانية، إلا في استرجاع صورة تلك المسيرة التي طاشت أهدافها بالجملة، والعض على الشفة السفلى جراء تفويت فرصة استبدال الشرعية الشعبية الراجحة بشرعية دستورية غير منقوصة، ومن ثم طرح السؤال على النفس وراء أبواب مغلقة: كيف يمضي "إخواننا" في دول الربيع العربي بحماسة شديدة إلى صناديق الاقتراع، فيما نحن قد اخترنا السير عكس اتجاه الريح، إن لم يكن عكس اتجاه عقارب الساعة؟

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تضافر الجهود الوطنية جميعها ضرورة للوصول بالسفينة الى ير الامان (د. هانى عبد الحميد)

    الثلاثاء 9 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    لماذا العالم كله شرقه وغربه عربه وعجمه يتغير ونحن لا نزال نصر على ممارسة اللعبة "الديموقراطية" كأننا غير معنيين بما يجرى حولنا على الاطلاق. ما الخطورة فى ان يكون للجميع رأى فى ما يحصل فى القرية الكونية والعربية الصغيرة وخصوصا بعدما تبين ان الكثير من الرموز التى كان من المستحبل معارضتها فى حينه كانت فى وادى والشعب فى وادى آخر. لا شىء غير عادى فى التغيير الى الافضل-سنة الكون- ام اننا نفضل ان لا يكون لنا علاقة بتطورات الامور بالدول المتقدمة وحتى المتخلفة فى العالم من حولنا ونتقوقع متجاهلين هذا الكم الهائل من المسائل المعلقة والمنراكمة منذ عقود مضت ولم نجد لها الحل الناجع بعد. ليس من المستحيل ان نلحق بالركب ونأخذ دورنا العربي والاقليمى الدولى المستقل والذى نحن مؤهلون له شريطة توفر النوايا الصادقة ازاء ذلك.