إبراهيم غرايبة

إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

ثمة جدل واسع اليوم حول "الدين والدولة"، يستعيد كتابات سابقة كثيرة، مثل أعمال نصر حامد أبو زيد، ومنها كتابه "النص والسلطة والحقيقة: إرادة المعرفة والهيمنة".
ويرى أبو زيد أن الخطاب الديني يساهم بطريقة غير مباشرة، وربما غير مقصودة، في تكريس ما يسمى النظام العالمي الجديد الذي يعني هيمنة الغرب على شؤون العالم. ووجه المفارقة أن هذا الخطاب يبشرنا بأنه الخطاب الوحيد المناهض للتبعية.
ولا يفضي التأويل العلمي إلى استنطاق النصوص الدينية بمعان ودلالات محددة مسبقا، تعرض عن النصوص من خارجها، وتهدر مستويات السياق المختلفة، والتي يستحيل فهم دلالة النصوص بمعزل عنها. والبديل تعليق النصوص في الهواء، بحيث تقبل كل ما يمكن أن تستنطق به، فتظل هيمنة مبدأ "شمولية النص" تراكم التأويلات مخفية وجه الواقع ومزيفة الوعي، وهل بعد ذلك كله إلا الضياع؟
وفي دراسته لمفهوم النص وتأويله وسلطته، يرى أن الكشف عن مفهوم النص يعد كشفا عن آليات إنتاج المعرفة. ويعني "النص" الظهور، وفي الاصطلاح: التعيين. ويعرفه الشافعي بأنه "المستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل" ويختلف عن النص "المتشابه" و"المحتمل".
وهنا، فإن الخطاب الديني المعاصر حين يتمسك بالمبدأ الفقهي "لا اجتهاد فيما فيه نص"، وحين يعيد طرحه في وجه أي محاولة للاجتهاد الحقيقي، إنما يعتمد في الواقع على عملية مخادعة دلالية مغرضة، تتمثل في استخدام كلمة "نص" للدلالة على كل النصوص الدينية (القرآن الكريم والأحاديث النبوية) بصرف النظر عن الوضوح والغموض. وهذا خلط بين دلالة النص الأصلية والدلالة المعاصرة التي تسبق إلى وعي المخاطب العادي، فيترسخ في الذهن تحريم الاجتهاد، وتدرك بذلك إلى أي أحد يريد الخطاب الديني أن يحكم الحصار حول النصوص لينفرد "الكهنوت" بسلطة التأويل والتفسير.
والانتقال من تحليل "النص" إلى تحليل دالّّ "التأويل" يعني الانتقال من مجال اللغة إلى مجال الثقافة العربية قبل الإسلام. وقد ورد دال "التأويل" في القرآن سبع عشرة مرة، ولكن دال "النص" غاب غيابا كاملا. والتأويل يفهم لتحليل الرؤى والأحلام والأحاديث والطعام والأفعال والكتاب. وتأويل الأفعال في قصة موسى والعبد الصالح هو الكشف عن دلالتها التي كانت خفية بالنسبة إلى موسى.
المهم في سياقنا الراهن أن التأويل أداة معرفية، يمكن استخدامها لاستقراء الدلالات في موضوعات متعددة، الرؤى والأحلام والنصوص اللغوية.. وهذا يؤكد الافتراض بأن للثقافة العربية مفهوما للنص بالمعنى السيموطيقي، بل إن تلك الثقافة طورت مع الإسلام مفهوما للنص يشمل الكون كله من أعلى مرتبة إلى أدناها. والنص في تعريفه المعاصر: سلسلة من العلامات المنتظمة في نسق من  العلاقات تنتج معنى كليا يحمل رسالة.
ويعرض أبو زيد نصا لابن عربي يحل، كما يعتقد، إشكالية الفكر الديني الإسلامي، والفكر الديني بعامة، يقول ابن عربي: "الأمر محصور بين رب وعبد، فللرب طريق، وللعبد طريق، فالعبد طريق الرب فإليه غايته، والرب طريق العبد فإليه غايته". ويقول جهم بن صفوان "لا فضل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس بما تنسب إليه أفعالهم على المجاز.. إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختيارا له منفردا بذلك".
هذا التصور كما يقول أبو زيد "ينفي عن العالم الذي نعيش به كل صفات الفعالية والحركة، على المستويين الطبيعي والإنساني على السواء" إنه "تصور يهدر قوانين الطبيعة". إن "اللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن المعرفة، بل هي في الأساس أداة التعرف الوحيدة على العالم والذات، وهي من ثم أهم أدوات الإنسان في امتلاك هذا العالم والتعامل معه، فإذا لم تكن اللغة ملكا للإنسان ومحصلة لإبداعه الاجتماعي، فلا مجال لأي حديث عن إدراكه للعالم أو عن فهمه له، إذ يتحول الإنسان ذاته إلى مجرد "ظرف" تلقى إليه المعرفة من مصدر خارجي فيحتويها".
"ترى هل هناك علاقة بين هذا المفهوم الذي صاغته جماعات فكرية تمثل بالضرورة قوى اجتماعية ذات مصالح محددة وبين الدلالة اللغوية الأصيلة لكلمة "عقل" في اللغة العربية؟ إن الدلالة التي اعتمد عليها كل من يشككون في قدرة "العقل"على إنتاج المعرفة، فقالوا إنه سمي كذلك لأنه "يمسك" المعرفة التي تأتيه من الخارج".. يتساءل أبو زيد.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المعتزلة والعلمانية (عرفات العلي)

    الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    إن طائفة المعتزلة هي طائفة إسلامية حاولت في ظنها إعمال العقل وما هو إلا هوى النفس والظن، كما قال الله تعالى " إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى " النجم وقال تعالى " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون * إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " الأنعام .
    فانبثق عنها الكثير ممن سموا بالمفكرين والفلاسفة وقد دخلوا بحرا له بداية ولا نهاية له إلا في العودة إلى نص القرآن الكريم وقد قال الله تعالى" آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حيكم خبير * ألا تعبدوا إلا الله إني لكم منه نذير وبشير " هود وقال الله تعالى " وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين" الشعراء، فكانت نصوص القرآن واضحة كل الوضوح وهو ما قاله نبينا صلى الله عليه وسلم " تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك " ولذلك قال أحد كبار فلاسفتهم : غاية إدراك العقول عقاله وأكثر سعي العالمين في ضلال وها أنا ذا أموت على عقائد عجائز نيسابور .
    وما قاله جهم ابن صفوان فهو يمثل العقيدة الجبرية التى نفت كون الإنسان قادر على الفعل فيختار بين الشر والخير ومن ثم يثاب أو يعاقب من قبل رب العالمين على فعله وقابلهم في ذلك القدرية التي نفت علم الله المسبق للأمور وأن الكفر قد وقع بغير إرادة الله وعلمه المسبق ، وكلهم حاول تنزيه الله عن الظلم والنقص فالأول أثبت من حيث لا يدري ظلم الله وأن الله هو الفاعل الوحيد والثاني وصف الله بالعجز والنقص تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فكانت طائفة أهل السنة والجماعة وسطا في ذلك واهتدت لقول الله في سورة النساء قال الله تعالى " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا * ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شيهدا " فالموت سنة الله الكونية التي لا يستطيع إنسان دفعها عن نفسه وكذلك الحسنة والسيئة التي منها الرزق فقرا أو غنى والزلزال والمطر النافع وغيره من الأمور التي لا يكون للإنسان بها سوى السعي تحقيقا لمصلحته فيبني منازل مقاومة للزلزال وينتفع بالمطر، فهذه كلها من عند الله أما الإيمان والكفر والزنى والعفة والسرقة والقناعة فالله أعطاك القدرة والفعل على الاختيار فعلم ما ستختار فكتبه عليك في اللوح المحفوظ وهذا ما غاب عن كلا الفريقين القدرية والجبرية، فإن وفقت إلى الخير من هذه الأمور فلله الحمد والمنة أن وفقك لهذا فله الفضل في هذه الحسنة لأن الله منّ عليك بالعقل والتمييز فاخترت ما ينفعك أما ان اخترت الشر فلا تلم إلا نفسك كما قال الله تعالى في سورة إبراهيم " وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" اذا استجاب الإنسان للشر وفعله فهو مسؤول عنه لا أحد غيره ولهذا كلا الفريقين لم يهتد أن الله فعال لما يريد وأن الإنسان يفعل لكن فعله ليس مثل فعل الله من العلم المسبق والإحاطة الشاملة وأنه لا يسئل عما يفعل فالله أعطي بعض خلقه القدرة على الخلق والإحياء والإماتة لكنه لم يعط أحدا صفة الألوهية لأنها أخص صفاته ولذلك قال الله تعالى "وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " المائدة "ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير " الشورى .
    وحتى لا أطيل في هذه المسئلة أكثر من ذلك فكل من انتسب إلى فكر المعتزلة من أتباع جهم بن صفوان وفلاسفة كان عقلهم يقودهم من ضلال إلى ضلال وقد تأثر بهذه المدرسة الكثير من المسلمين بعصرنا الحالي فكان من بينهم العلمانيون والإخوان المسلمون الذين هم امتداد لجمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا، فتأثر بفكرهم حسن البنا ، وأنشأ حزب الإخوان المسلمين ولم يضبط أي مصطلح شرعي سواء كان سياسيا أو عقائديا أو اقتصاديا، فلذلك تجد في حزبهم ما هب ودب ،فهم يتلونون بما تقتضيه مصلحتهم في كل زمان ومكان ، أما عن "حامد نصر أبو زيد " فهو لا يختلف عن جهم بن صفوان الذي قال فيما قاله لو أنه يمحو سبع آيات من كتاب الله لأنها لا توافق هواه ولا أقول عقله .
    فالعقل له ابداعاته خارج نصوص الوحي أما نص الوحي فهو واضح لمن أعمل عقله أما من أعمل هواه فهذا شأنه لذلك سيخوض بحرا تتلاطم به الأمواج وقد لا يخرج منه إلا إلى قبره ومثواه الأخير.