د.أحمد جميل عزم

الفلسطينيون وتخصيب القرارات الدولية

تم نشره في الاثنين 1 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

ألقى ممثل إسرائيل في الجمعية العامة، حاييم هيرتسوغ، خطابا يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975، عقب صدور قرار اعتبار الصهيونية عنصرية، فاعتبر القرار مجرد قصاصة ورق، قام بتمزيقها أمام الكاميرات وعلى مرأى من العالم، وسط تصفيق في الجمعية العامة للأمم المتحدة! فما الذي سيختلف الآن؟ أو لنكن إيجابيين ونسأل: كيف يمكن أن يختلف؟
إذا كان خطاب الرئيس الفلسطيني في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي طلب خلاله عضوية فلسطين فيها، العام الماضي 2011، قد ولّد حراكا شعبيا ودبلوماسيا بدرجة ما، فإنّ التقييم الممكن تبنيه لخطاب العام 2012، والذي أعلن فيه العزم على تقديم طلب "دولة غير عضو" ولّد حراكا بدرجة أقل كثيراً، تماماً كما أنّ معنى الخطوة أقل بكثير.
حتى إن كُنتَ دارساً للعلاقات الدولية، ومتابعاً حثيثاً للإعلام والجدل السياسي، فإنك لن تنجح في الإجابة بدقة عن السؤال: ماذا يعني الانتقال من وضعية "عضو مراقب" التي تتمتع بها منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة، منذ السبعينيات، إلى وضع "دولة غير عضو"، أو"دولة مراقِبة"؟
ينقل الإعلام عن صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، قوله إنّ اليوم التالي للحصول على موقع الدولة غير العضو "لن تكون الحياة هي ذاتها". ولكن عريقات نفسه يخبرنا: "نعم، سيستمر الاحتلال، والمستوطنات لن تتوقف، وجرائم المستوطنين ستستمر، ولكن سيكون هناك تبعات". ويُنقل عنه أنّه بعد العضوية "لا يستطيع أي إسرائيلي أن يجادل أنها (دولة فلسطين) مناطق متنازع عليها"، بل ويسلّم بحق الفلسطينيين فيها.
الحياة التي ستكون مختلفة، كما يقول عريقات، سيكون بإمكان فلسطين فيها محاكمة إسرائيل في المحاكم والمنتديات الدولية. وإذا كانت المحاكم الدولية هي الهدف، وهي الحياة المختلفة، فمن قال إنّ كل شيء استنفد في هذا المجال؟ ماذا استفاد الشعب الفلسطيني، على سبيل المثال، من قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي، الذي اتُخذ ضمن حملة دبلوماسية وشعبية واسعة، في 9 تموز (يوليو) 2004، أي قبل أكثر من ثماني سنوات؟!
هذا القرار هو شيء كالذي يعدنا به
د. عريقات، ولكنه للأسف لم يجعل الحياة مختلفة. فمشكلة القرارات الدولية، بما فيها القضائية والمقاطعة، أنّها لا تكتسب قيمة إلا بالأداء الدبلوماسي والسياسي، والضغط الميداني، والاستخدام الفعلي لأوراق القوة على الأرض. ولا يوجد أي سبب يدفع إلى استنتاج أن القيادة الفلسطينية الحالية، وفرق عملها الحكومية والدبلوماسية والتنظيمية، تتقن شيئا من تحويل القرارات الدولية إلى واقع؛ فالذهاب إلى الأمم المتحدة هذا العام مثلا، جاء دون أي سياق أو زخم إعلامي أو سياسي أو دبلوماسي. حتى على صعيد حركة "فتح"، لم تنجح في تحريك الشارع. وطغت إضرابات السائقين في الضفة الغربية على أي حراك سياسي، والانقسام مع غزة أكبر من أي وقت مضى.
الفلسطينيون يعيشون منظمة تحرير فلسطينية غامضة، لم تتجدد عضوية مجلسها الوطني بطريقة ديمقراطية لتعكس قوى الشعب الفلسطيني منذ نحو ربع قرن؛ فهناك جيل جديد مستثنى منها، وهناك قوى سياسية غائبة، وهناك ألغاز في تشكيلاتها القيادية الحالية، من نوع أنّ أحمد قريع (القائد في فتح، سابقا على الأقل) يحتل مقعد المستقلين في اللجنة التنفيذية. ويعيش الفلسطينيون في الضفة والقطاع رئاسة ومجلسا تشريعيا وحكومتين بلا أي سند ديمقراطي أو شعبي، فقد انتهى التخويل الانتخابي الذي زعموا أنّه مصدر شرعيتهم منذ سنوات. والفصائل بلا قيادات، أو برامج، أو قواعد شعبية.
هناك واقع موضوعي وطاقة شعبية تدفعان، وتؤكدان استمرار المقاومة. ولكن هذه جميعها ما تزال في حالة خمول، ولم يقم أحد بعملية تخصيب لها. هناك قرارات دولية مثل لاهاي، ولكنها بدون تخصيب، ما يفتح الباب لنتنياهو وغيره لتحويل الأنظار إلى تخصيب اليورانيوم الإيراني.       تجرؤ إسرائيل على تمزيق قرارات الجمعية العامة، تجد من يصفق لها، إلا إذا انتُزعت الحقوق، وفُرضت. تجديد القيادة والهيئات الفلسطينية لتعبّر عن الطموح الشعبي بشكل أفضل، ولتحقيق الوحدة أو فرضها، هو الذي يمكن أن يجعل الحياة مختلفة.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق