محمد برهومة

على أطراف أصابع القدمين

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً

لا تيأسوا بل اصبروا وتمسكوا بالأمل. لا تقولوا مع القائلين إن خمسة ملايين دولار صُرفتْ على إنتاج فيلم مقزز يسيء للنبي الكريم كادت أن تفسد "الربيع العربي" وتعيد الناس إلى وعي دفعوا تضحيات وآلاما ودماء من أجل التخلص منه. كثيرون قالوا إن الإخوان المسلمين في مصر ما كانوا ليلغوا مليونيتهم المنددة بالفيلم لو كانوا في المعارضة، وأقول: لمَ لا، إذا كانت السلطة ستعني تهذيبا لردة الفعل لديهم، وتفويت فرصة تقسيم المصريين؟ لمَ لا إذا كان هذا التصرف خطوة أولى للابتعاد عن منهج توظيف العواطف النبيلة والنوايا الطيبة في مسارات تثير الفتنة وتخلق الفوضى وتضع الغرائز مكان العقل والحكمة. لمَ لا إذا كان ذلك بداية الوعي بأهمية التمييز بين حب الدين واحترام المقدسات وبين ألا يكون التعبير عن ذلك مضرّا بمصالحنا ومبادئنا وصورتنا وما نرجو أن نكون عليه وتكون عليه بلداننا.
ثمة نضجٌ يسري في العروق، نضجٌ أكبر وأكثر اتساعا من مناظر الحرق والكسر والقتل. ثمة نضج لدى الملايين التي قالت إنه فيلم سخيف ومقرف ولا يستحق منّا دعاية له. وبحسبة بسيطة، سنجد أن الهوة واسعة بين ردود الفعل على الرسوم الدنماركية المسيئة والفيلم المسيء. وقت الرسوم المسيئة دعا يوسف القرضاوي إلى غضبة عارمة، ومع الفيلم المسيء يدعو إلى الهدوء وتفويت الفرصة على المغرضين. اليوم، برغم السلبيات التي تدعو إلى الإحباط ربما، نجد أن تفويت الفرصة على الأعداء وإدراك المراد من وراء الفيلم كان أكثر سرعة، وتبين أن الأغلبية الغالبة تدرك أن مكان النبي هو موضع الشمس ولن يضيره فيلم عنصري مبتذل بكل المعايير. تبيّن أن الغالبية من المجتمعات العربية ما تزال تدرك أن معركتها الحقيقية هي تحقيق كرامة العيش عبر مواجهة الاستبداد الداخلي والفساد المحلي وقمع الحريات في بلداننا العربية، وليس المعركة هي حرب بين الإسلام والغرب. فوتت المجتمعات فرصة إعادة إنتاج "القاعدة" وبثّ مزيد من الدماء في عروقها. الغالبية تشعر بالحنق، وهي ترى أن المستفيدين من ردة الفعل المتطرفة، والعنف الأعمى كانوا من رؤوس الاستبداد في منطقتنا، والداعين لخنق أشواق شعوبها نحو الحرية. أليس هذا هو شعور الكثيرين وهم يشاهدون حسن نصرالله وهو يدعو إلى مزيد من الاحتجاج، فيما جنوده وجنود الحرس الثوري الإيراني يقهرون الشعب السوري ويذيقونه أصناف الموت والدمار ويقصفونه بالطائرات وبراميل القنابل ذات القدرة التفجيرية المخيفة؟!. يريدون مزيدا من الاحتجاج لصرف النظر عن ذلك كله. الناس الذين يفدون رسول الله بأرواحهم يدركون هذه اللعبة وقد شبّوا عن الطوق.
لا تيأسوا، اعتصموا بالأمل، وبأن أول الوعي فتح العيون على كل ذاك الزيف والدجل، وإدراك من هم تجار "القضايا" والمتربحون بالدين والأنبياء والمقدسات.
لا تيأسوا، واحلموا بغد أفضل، يبدأ، ربما، من التأكد بأن المستبد والظالم والفاسد هو أبعد الناس عن شرف الانتساب للرسول الأعظم وادعاء الغضب له، ومن أنّ رفْضنا أنْ يزايد على ديننا متطرف أو ديكتاتوري هو خطوة على طريق بناء مجتمعات كريمة ودول عفية.
لا تيأسوا، فحتى لو صحّ أنّ تصرف الإخوان في مصر أو القرضاوي إنما يعكس براغماتيتهم وتلوّنهم وإدراكهم أين تكمن مصالحهم، فإن هذا سيكون اختبارا جديدا لهم، ومزيدا من المناعة للشعوب التي تتلمس طريقها في إدراك أن نيل الحرية لن يكون بمنأى عن كشف الدجالين والمتاجرين بالمقدسات.
هي ليست دعوة لدفن الرؤوس  في الرمال، كما يقول المزايدون، بل دعوة لرفع الرؤوس. ألمْ ترَ أنك تقف على أطراف أصابع قدميك حين تحاول أنْ ترى أكثر. وضعٌ غير مريح، ربما، لكنه يمنحك مزيدا من الكشف!!

[email protected]

التعليق