تمرد نيابي ناجح

تم نشره في الثلاثاء 4 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 4 أيلول / سبتمبر 2012. 01:59 مـساءً

ما جرى في جلسة مجلس النواب مساء الأحد الماضي، وما تبعها من تواقيع لأغلبية نيابية على عريضة تدعو إلى سحب الثقة من الحكومة وتحتج على تعيينات الفئة العليا، يمكن وصفه بـ"التمرد النيابي".
فقد ضاق صدر نواب الموالين ذرعاً بالسياسات والقرارات والتشريعات الحكومية غير الشعبية، التي وضعت مجلس النواب في "بوز مدفع" في مواجهة الرأي العام والجمهور.
وقد دفع هؤلاء النواب ثمناً باهظاً بسبب تمريرهم تلك السياسات، وفي الذهن قرارات طي ملفات الفساد، والمحتوى المحافظ لقوانين الإصلاح السياسي، والقانون المعدل للمطبوعات والنشر.
قرار رفع أسعار "المحروقات الشعبية" كان فوق التحمل، ولم يكن بمقدور النواب تمريره بدون ضجة وصخب واحتجاج، والضغط من أجل التراجع عنه.
القواعد الشعبية والاجتماعية العريضة اكتوت بنار المحروقات وأسعارها اللاهبة، والتي ستمتد لتطال الغذاء والكساء والمواصلات وكل شيء.
عدد من النواب استشاط غضباً لتجاهل رئيس الحكومة لتنسيباتهم للتعيين في وظائف الفئة العليا، والتي لم تستفد منها سوى النخبة المتنفذة منهم، التي لا يزيد عدد أعضائها على نصف أصابع اليد الواحدة.
ولوحظ أن "نواب النخبة" الذين يتلقون المكالمات الساخنة لم يشاركوا في التمرد النيابي، وكذلك النواب المقربون من رئيس مجلس النواب، ما يؤكد على عفوية الحراك النيابي.
لم يكن من السهل تجاهل مطالب الأغلبية النيابية التي طالبت بالتراجع عن قرار رفع الأسعار. وقد اتضح أن أعداداً منها خرجت عن السيطرة؛ حتى أن العريضة النيابية التي تدعو إلى إقالة الحكومة لم تسلم لرئيس مجلس النواب، بل بادر ثلاثة من النواب إلى الاتصال بالديوان الملكي لتسليم العريضة باليد، وتفاجأوا أن رئيس الديوان اعتذر عن استلامها كما فعل في مرات سابقة، لأن سحب الثقة من الحكومة له آليات دستورية معروفة. وكان قرار الملك الطلب من الحكومة تجميد قرار رفع أسعار المحروقات قد صدر قبل وصول النواب الثلاثة الذين أخذوا على عاتقهم إيصال الرغبة النيابية إلى الملك.
كثرت التحليلات والتفسيرات لهذه الخطوة النيابية غير المسبوقة، والتي أثارت الاستهجان لدى العديد من المراقبين.
البعض اعتبرها جزءا من صراع مراكز القوى، وتعبيراً عن عدم الرضا عن وجبة التعيينات الأخيرة. والبعض الآخر اعتبرها خطوة موحى بها، كمقدمة لترحيل الحكومة ومجلس النواب معاً، خاصة أن هناك سابقة عريضة طالبت برحيل حكومة معروف البخيت (الثانية).
رفضت كل هذه التحليلات والاستنتاجات، واعتبرت أن ما جرى تم تحت شعار "قبّعت" من نواب الموالاة، وأن السلطة التنفيذية بكل مستوياتها وأجهزتها صدمت وتفاجأت وأربكت، ولم يكن أمامها سوى إخماد التمرد الذي هدد مستقبل الدورة الاستثنائية، مع الأخذ بعين الاعتبار ردود الفعل الغاضبة في الشارع ومن المعارضة، وأن يتم التراجع أمام ضغط النواب هو أكثر كياسة من التراجع بفعل الضغط الشعبي.
رئيس الحكومة الذي أغلق الباب في وجه النواب والناصحين، وقصر علاقاته وتنسيقه على رئاسة المجلس، خسر الرهان وضل الطريق. لم يعد ممكناً إدارة العلاقة مع مجلس النواب بهذه الطريقة الفوقية؛ لم يعد ممكناً إحالة مهمة "تزبيط" المجلس على الغير؛ إنها من مهام الرئيس وفريقه الحكومي الذي عليه أن يسمع من الكل، كتلاً وأفراداً ولجاناً برلمانية مختصة.
أما عريضة الأغلبية النيابية التي دعت إلى سحب الثقة من الحكومة، فستطوى بدون رد أو جواب أو تعليق. كيف لا وقد تجاهل رئيس الحكومة مطلب الأغلبية النيابية بإضافة القانون المؤقت المعدل لقانون الضمان الاجتماعي على جدول أعمال الاستثنائية، وهو الذي "دق على صدره" وقال بأنه "سيستأذن الملك لإدراجه على جدول الاستثنائية"، ولم يدرج القانون بعد مضي أكثر من ثلث المدة المفترضة لعمر الاستثنائية؟ وبالمناسبة، فإن تعبير "سأستأذن الملك" في هذا السياق تعبير دستوري خاطئ. والأصح أن يقول الرئيس سوف أنسب إلى الملك بإدراج القانون على جدول الدورة الاستثنائية، لأن التنسيب حق للرئيس في إطار الولاية العامة للحكومة، وموافقة الملك إجرائية بحسب المادة 40 من الدستور.
لم يعد ممكناً إدارة البلاد بهذه الطريقة وهذه الأساليب البالية، ولا بد من تجديد في أساليب الحكم وإدارة البلاد، ولا بد من فهم عصري حديث لتنظيم علاقة الحكومة بمجلس النواب.
المهمة التي لا تعلو مهمة عليها اليوم هي تغيير قواعد اللعبة السياسية والبرلمانية، وإرساؤها على أسس ديمقراطية عصرية حديثة. وأظن أن هذه هي مهمة الانتخابات النيابية المقبلة. وبقدر ما نطور قانون الانتخاب، بقدر ما نحصد نتائج أفضل.

[email protected]

التعليق