مرسي يجهز على "الحيوان الخرافي ذي الرأسين" في مصر!

تم نشره في الأربعاء 15 آب / أغسطس 2012. 02:00 صباحاً

 بإخراج "ميلودرامي" لم يخل من عنصر الصدمة والإبهار، أجهز الرئيس المصري محمد مرسي، القادم من رحم الإخوان المسلمين، على الحيوان الخرافي ذي الرأسين الذي اشتد تنازعه على الحكم منذ أشهر، وليؤمن مرسي ظهره، ويخطو الخطوة الأولى نحو حلم إقامة دولة مدنية ديمقراطية بعد الثورة.
مساء الإثنين، حسم مرسي الصراع على السلطة بين الرأسين: رأس مدني وصل إلى سدة الرئاسة عبر شرعية الانتخابات؛ ورأس المشير محمد حسين طنطاوي، الحاكم الفعلي ببزة عسكرية، الذي تصدّر تفاصيل المشهد السياسي منذ الثورة في سياق هيمنة الجيش على مفاصل الدولة منذ 60 عاما. وهكذا هزم صندوق الاقتراع هدير الدبابة.
ويبدأ فصل جديد في حياة الجمهورية المصرية الثانية، توج بانقلاب أبيض وضع العسكر تحت "بنديرة" المدنيين.
ألغى مرسي الإعلان الدستوري المكمل الذي أقرّه المجلس العسكري عشية فوز الرئيس قبل أسابيع، في محاولة بائسة لتكبيل يديه وتحييد مجلس الوزراء. وأقر إعلانا جديدا، منح نفسه بموجبه الصلاحيات التي كان يمارسها المجلس العسكري، ومنها التشريع وإعادة تشكيل الجمعية التأسيسية المخولة وضع دستور جديد، في حال وجد مانعا يحول دون استكمال عمل الجمعية الحالية.
وبذلك، استعاد مرسي سلطاته الكاملة بلا منازع؛ حلم أي رئيس.
على أن مرسي، و"الجماعة" معه، يواجهان اليوم معركة الدستور الجديد الذي سيعرض على الاستفتاء بعد التصويت عليه قريبا، وكذلك إعادة بناء الاقتصاد وتعزيز الأمن المنفلت، وتوفير رغيف العيش، إلى جانب حل أزمة المرور والوقود والكهرباء والنفايات في الشوارع. كما على الرئيس التعامل مع ملفات زلزلة سيناء، ومعتقلي الثورة والشهداء، والتحضير للانتخابات النيابية والبلدية العام المقبل.
الطريقة التي تصرف بها مرسي للقضاء على مصادر التهديد الداخلي لم تختلف كثيرا عن تصرفات أسلافه، ومنهم الحزب الوطني الحاكم والمنظومة الأمنية.
الفرق الوحيد أنه في حال سار مركب الديمقراطية وفشل الرئيس في سياساته، أو حاول الانقلاب على الديمقراطية التي أتت به، فإنه سيحاسب عبر صناديق الاقتراع.
فكل حاكم، سواء في منظومة الاستبداد أو الديمقراطية، يلجأ إلى عقد صفقات مع حلفاء الداخل والخارج، ويأتي بأزلامه، ويعمل للسيطرة على الإعلام وسائر السلطات لضمان بقائه وحزبه الحاكم في السلطة.
توقيت التغيير كان مهماً عشية الاستعداد لإحياء ليلة القدر. وقد عمل مرسي بسرية مطبقة لتنفيذ الخطة، حتى إن الإعلام لم يسجل مسبقا، بل تفاجأ به موظفو التلفزيون الرسمي. أطاح مرسي بوزير الدفاع والإنتاج الحربي المشير طنطاوي، الذي فعل المستحيل خلال الأسابيع الماضية لتعطيل عملية تشكيل الحكومة الجديدة قبل أن تخرج بتشكيلة مثيرة للجدل، ما ضعضع مصداقية مرسي.
في الأثناء، باغتته عملية دامية ضد مكمن لحرس الحدود في سيناء، أدت إلى مقتل 16 جنديا الأسبوع الماضي. وقد حاول معارضوه استغلالها ضده وتأجيج الرأي العام، كما لمس بعدها محاولات داخل الجيش للتحرك ضده، مستغلين حملة تطهير سيناء وتذمر الشعب من انقطاع التيار الكهربائي وضنك العيش. الإعلام الخاص، وغالبيته خاضع لاحتكارات رأس المال المناوئ لصعود الإخوان أو المحابي للنظام السابق، شن حملة شرسة ضده، فلم يرحمه لا بحق ولا بباطل.
خليفة طنطاوي، وزير الدفاع الجديد الفريق أول عبدالفتاح السيسي، مكلف اليوم باختيار قادة القوات البحرية والجوية والاستخبارات والشرطة العسكرية وغيرهم.
بالطبع، لم ينس مرسي تقليد المشير طنطاوي وسام النيل، وهو الأرفع في الدولة المصرية، وتعيينه ورئيس أركان القوات المسلحة الفريق سامي عنان -المطاح به أيضا- مستشارَين للشؤون العسكرية في الرئاسة لضمان بقائهما تحت مراقبته.
التغيير عكس روح صفقة أعلم بها الأميركيون، وضمنت خروجا آمنا لرجال المجلس العسكري الانتقالي بدون محاكمة، كما حقّقت مطالب القوى الحزبية والمجتمعية والشبابية التي تطالب منذ أكثر من عام برحيل العسكر. المجلس العسكري رحّب بالقرار بدلا من أن ينقلب عليه كما راهن العديد. وعين نائبا للرئيس قاضيا كان رمزا مهما لمقاومة نظام مبارك وعملية تزوير الانتخابات وتطويع السلطة القضائية.
سرعة التغيير وبراغماتية مرسي أذهلت الجميع، سلبا وإيجابا.
فالخاسرون كثر؛ بقايا "الفلول"، ومسانديهم داخل الجهاز البيروقراطي، الأمني، وعلى مستوى البلديات والمحافظات التي سيطر الجيش على غالبية مقاعدها، والتيارات الوطنية الليبرالية واليسارية وشباب الثورة.
لكن الخشية كبيرة في أوساط هذه القوى، لاسيما القوى الليبرالية واليسارية، من أن يسير الرئيس مرسي بمصر صوب "الديمو-دينية" بعد تركيز الصلاحيات والسلطات في يده، بدون وجود معارضة سياسية توفر طريقا ثالثة قادرة على تحريك الشارع بين ثنائية حزب الدولة والإخوان.
وثمة من يرى، وهم على حق، أنه لا يعقل أن يحمل رئيس مصر بعد الثورة الصلاحيات التنفيذية والتشريعية معا، مدعوما بعقيدة دينية.
الثابت أن الرئيس مرسي يتصرف كأسلافه في إدارة معركة التغيير. فقبل أيام، اتكأ على مجلس الشورى الذي استغله الحزب الحاكم من قبله، للسيطرة على المؤسسات الإعلامية القومية وشبه الحكومية، لضمان وقوفها إلى جانبه في معركة كسب الرأي العام ومقاومة الإعلام الخاص، وغالبيته ضد الإخوان، في زمن تغيبت فيه المهنية والمسؤولية عن الإعلام الخاص والإخواني. وقطر وفّرت وديعة بقيمة ملياري دولار في البنك المركزي المصري لطمأنة المصريين، وسط توقعات بأن تحذو السعودية حذوها. فيما إسرائيل قلقة من التغيير في المؤسسة العسكرية، لكنها تعلم أن من مصلحة الرئيس مرسي توفير حدود آمنة مع الدولة العبرية بدون رغبة في التطبيع السياسي.
على مرسي التعامل مع تحدي إزالة انطباعات في المجتمع المقسوم بأنه يعبر عن سياسات حزبه فقط، وأن هدفه هو "أخونة الدولة". وعليه أن يثبت أنه نال أصوات الغالبية كرئيس لكل المصريين في انتخابات عامة وليس انتخابات سرية لاختيار رئيس لجماعة الإخوان أو إمام لمسجد.
كما عليه أن يبعث الثقة في المصريين بأنه قادر على حل مشاكل الدولة المستعصية التي ورثها، وليس الغرق في بحورها ولعبة إحكام السيطرة وإقصاء الآخر. وعليه تذكر أن الطرق العقيمة التي اتبعها النظام الدكتاتوري القديم، معتقدا أنه يقنع الناس بأنه يعكس وجها ديمقراطيا، لم تحمه من الخلع.
الأيام والشهور المقبلة ستحمل في طياتها إجابات عن الكثير من هذه المخاوف. لكن مصر، الدولة العربية الأكبر، تستحق النجاح في بناء ديمقراطية تدريجية، وأن تتحول إلى أنموذج راق لسائر دول المنطقة.

rana.sabbagh@alghad.jo

التعليق