على مفترق طرق

تم نشره في الاثنين 6 آب / أغسطس 2012. 02:00 صباحاً

الصلة المباشرة، وباتجاهين، بين المصيرين الأردني والفلسطيني، تجعل الربيع الأردني مفتوحاً على كل الاتجاهات والاحتمالات. يحسن بنا أن نتذكر هذه الحقيقة جيداً، وأن نعمل على ضوئها، إذا ما أردنا لربيعنا أن يصل حيث نريد؛ وأن نقرن التذكر بعمل يرتقي إلى مستوى التحدي المركب الذي يضع الأردن وجها لوجه أمام انقسام فلسطيني غير مسبوق، واستقواء إسرائيلي مواز له، وانحناءة أميركية انتخابية لا تتوقف أمام اللوبي الصهيوني.
حتى اليوم، لم نكن مستعدين لمواجهة حقيقية مع أهم التحديات التي تواجه الدولة، فرحلناها مع تراكمات مخرجاتها، مثل عادتنا في ترحيل باقي قضايانا الأخرى، وعالجناها بالقطعة، ما جعلها تكبر شيئاً فشيئاً بانتظار أن تنفجر يوماً في أحضاننا جميعاً. الفرصة قائمة اليوم؛ فالربيع ما يزال سلمياً، والحوار ما يزال ممكناً، وثمة بقايا من حكمة. فلا داعي للبقاء أسرى لإرادة فئة استأثرت بالنفوذ السياسي والاقتصادي، ولا تنظر لغير المحافظة على مكاسبها. وهي مستعدة لمقاومة الإصلاح حتى آخر رمق، وبخاصة عندما تتذكر أن تجريدها من مكاسبها ليس آخر ما قد يصيبها من الإصلاح، وإنما قد يعرضها للمحاكمة أيضا.
ثلاثة تحديات نواجهها اليوم دفعة واحدة بعد طول تأجيل، تتمثل في الهوية الوطنية والمواطنة، والعقد الاجتماعي (الدستور)، والوحدة الوطنية بجانبها المتعلق بالعقد الاجتماعي (الحاكم والمحكوم)، وجانبها الآخر المتعلق باللُّحمة الشعبية الجامعة والسلم الأهلي. تحديات لا تجدي معها خطة مشحونة بجرعة إصلاحية، حتى لو كانت من العيار الثقيل، بل تحتاج إلى مشروع وطني توافقي، كمثل الذي كدنا نمسك به في الميثاق الوطني العام 1991، ثم ما لبثنا أن فقدناه للأسف، لنبدأ بالتوجه من جديد إلى حالة الاختلال العام الذي نعيش فصوله اليوم.
ليس التراجع في الحياة السياسية هو وحده ما يؤشر إلى حاجتنا الماسة إلى المشروع الوطني؛ فالاقتصاد رافعة صمودنا الثانية يتطلب ذلك أيضاً. إذ لم تكن الصدفة هي التي حركت من أوصلونا إلى هذا الدرك الاقتصادي، تماماً مثلما أن هذا التردد والتأخير، وربما التراجع في الإسناد الاقتصادي الأجنبي والخليجي للأردن في ضائقته الراهنة، لا يتم صدفة. وقد نجازف بالقول إن إغراءنا بالانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي ثم التراجع التدريجي عن ذلك خطوة خطوة، لم يكن صدفة أيضاً. ومن المحتمل أن يبقى التلويح لنا بجزرة الانضمام هذه أداة بيد من يريد أن يأخذ الأردن إلى ربيع مختلف عما نريده ونطمح إليه.
ليس مبالغة القول إن الأردن يقف اليوم على مفترق طرق، بعض إحداثياته رسمناها بأيدينا، والباقي رسمته إرادات دولية ما تزال تجتهد كي لا تترك مجالاً للقوى الشعبية لفرض إرادتها وتوجيه مستقبلها. ومن المؤمل أن لا نكون قد فقدنا زمام المبادرة بعد، ولا دواعي الحكمة. كل ما نحتاجه إرادة واعية من مطبخ القرار للقاء الشارع في منتصف الطريق، للبدء في المشوار المشترك لصياغة المشروع الوطني. ولا ضير في التعبير عن تلك الإرادة بالاعتراف بأخطاء المرحلة السابقة، والاعتذار عنها، أملاً في فتح صفحة جديدة، هي أولى الخطوات التي نحتاجها للسير معاً في شراكة تتخطى ظلال الماضي.
موضوع المواطنة ما يزال على إشكاليته، والعقد الاجتماعي ما يزال ملتبساً، ووحدتنا الوطنية بحاجة إلى المزيد من التعزيز. يجدر أن لا يبقى الخوف أو الغموض سيدا الموقف. ومن واجب مطبخ القرار الشروع فوراً في إطلاق المبادرة للبدء في حل الإشكالية وفك الالتباس، وإبعاد الخوف والغموض، بوضع كل التحديات على طاولة النقاش، تمهيداً لمباشرة صياغة المشروع الوطني الكفيل بحماية كيان الأردن وأمنه، وتحقيق أهدافه في احترام المواطنة وتعزيز الوحدة الوطنية، وتصحيح وجهة التنمية.

التعليق