د. مرسي وبراغماتية "الإخوان"

تم نشره في السبت 4 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

أتفهم نفي المتحدث باسم الرئاسة المصرية للرسالة الجوابية الدافئة من الرئيس المصري "الاخواني" المنبت محمد مرسي، إلى الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريز، جوابا على تهنئته بالفوز بالرئاسة. رسالة د. مرسي نُشرت في الإعلام الإسرائيلي، ومصدرها كان مكتب بيريز. وبعد النفي المصري، كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية تفاصيل عن تسليم الرسالة، وقالت إنها سُلمت إلى السكرتير العسكري لبيريز من قبل دبلوماسيين في السفارة المصرية في تل أبيب، مع ختم السفارة، ولم تصل بالبريد أو مع مبعوث خاص، ولا مع "حمامة السلام".
لم يشكك أحد في إسرائيل بصحة الرسالة. وليس من الممكن تضليل الرأي العام الإسرائيلي في ظل الصراعات السياسية المحتدمة، ووجود إعلام حر. وفي تعليق غير مباشر على النفي المصري، وصف بيريز الرسالة بـ"الإشارة الإيجابية إلى العلاقة مع مصر".  النفي المصري لرسالة د. مرسي، استهدف بوعي ذر الرماد في عيون الشعب المصري، والتغطية على سلوك سياسي للرئيس "الإخواني" أوجبه الموقع الرئاسي، وتناقض مع إرث الخطاب "الإخواني" الذي لا يعترف أصلا "بالكيان اليهودي الغاشم"؛ إرث يقوم على الشعار "الإخواني" خاصتهم: "خيبر خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود". ويعتبر الصراع مع إسرائيل صراع وجود لا صراع حدود. خطاب سياسي نهض وقام واعتاش على شتم معاهدات السلام مع "العدو اليهودي". إنها البراغماتية بأبهى صورها التي ميزت جماعات الإخوان المسلمين في كل فروعها، وأباحت لها تقديم "الفتاوى المحلية" لتبرير سلوكها وبراغماتيتها التي لا تعرف حدودا. ولا داعي لتعداد الأمثلة التي باتت معروفة للجميع؛ من التحالف مع الأميركيين في العراق وأفغانستان، إلى التعامل مع اتفاقيات أوسلو والدعوة إلى هدنة أبدية مع إسرائيل فلسطينيا، والأردن على الطريق. وذلك لأن الغاية تبرر الوسيلة، والغاية كانت دائما السلطة؛ بالموعظة الحسنة أو بالرصاص، كما في سورية وغير سورية.
مناسبة الحديث عن براغماتية الإخوان المسلمين، هي محاولة بعض قادتهم إسباغ صفة دينية على سلوكهم السياسي، وبعضهم يعتبره "إلهاما من الله"، وأن دعوتهم للإصلاح لا تستهدف سوى مرضاة الله. وينسون أنهم بشر لهم مصالح وحزب له طموحات سياسية، وإن كانت مغلفة بخطاب ديني ومرجعية دينية. وهذا حق لهم ولكل حزب. عودة إلى رسالة النوايا الحسنة التي بعثها د. مرسي إلى بيريز، فقد اعتبر خبراء سياسيون في إسرائيل "أنها خاطبت واشنطن مع أن عنوانها القدس". ووصل الحد بالسفير الإسرائيلي السابق في موريتانيا إلى القول: "لن أفاجأ إذا كانت الرسالة صيغت مع واشنطن مسبقا". وانتقد سياسيون وإعلاميون إسرائيليون مكتب بيريز لتسريب الرسالة، وقال بعضهم إن من الأفضل عدم نشرها، للمحافظة على انسيابية التطبيع القائم بين البلدين. فالإسرائيلي هو الآخر براغماتي من طراز رفيع، ومبتز من طراز أرفع، لأن سياسيين آخرين استحسنوا فكرة نشر الرسالة، حتى يُظهر د. مرسي "ما في خزانته". ليس عندي أدنى شك في أن التطورات التي رافقت الربيع العربي، وصعّدت "الإخوان" إلى السلطة، سيكون لها مفاعيلها وأثرها العميق على بنية وفكر وسلوك الأحزاب الدينية، لأن استحقاقات الحكم لا تصمد أمام قوانين الأيديولوجيا على إطلاقها.
ما يجري داخل "إخوان الأردن" شكل من أشكال التحول نحو السياسي على حساب الأيديولوجيا المطلقة. والقادم أعظم.

bassam.haddahdin@alghad.jo

التعليق