د.باسم الطويسي

هل نعيش صدمة أخلاقية؟

تم نشره في الأحد 15 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

ثمة مشاهد تحفرعميقا ليس في العقل السياسي للنخب وحسب، بل في وجدان الناس وتكوينهم الأخلاقي واتجاهاتهم وحياتهم اليومية، أو بمعنى آخر في ثقافتهم وفي طريقتهم بالحياة. مشاهد الصراعات المخجلة للسادة النواب والعنف المتكرر داخل بيت الديمقراطية، مشهد مدير المخابرات السابق في محاكمة تتابعها وسائل الإعلام وهي ثاني محاكمة لمسؤول أمني خلال أقل من عقد بهذا المستوى، تفسر كيف كانت تدار البلاد وكيف يساس مصير الناس. أسماء متوقعة وغير متوقعة متورطة بالفساد تتكرر نهارا جهارا من قبل الحراك الشعبي، كذب وخيال رسمي بكل الألوان والاشكال، إصرار رسمي على الاستمرار في رفض أي تقدم في الإصلاح السياسي والتنموي، وحرص ممنهج على البقاء في المكان ذاته، خطوة إلى الأمام خطوة إلى الخلف.
 يعيش المجتمع الأردني صدمة أخلاقية حقيقية هي جزء من مركب أزمة الدولة والمجتمع، نجد تداعياتها واضحة في التعبير عن الرفض والاحتجاج، وفي العنف الاجتماعي، هذه الصدمة الأخلاقية لا تقدم تفسيرا للأزمة بل هي أحد مظاهرها الدالة على الردود المجتمعية على ارتفاع وتيرة التناقض الحاد وتجاوز كل السقوف والخوف العميق على المستقبل.
  تنعكس هذه الصدمة في تفاصيل الحياة اليومية حينما يصل لإدراك الناس أن العقد الاجتماعي بين المجتمع والدولة لا يعمل بالحد الأدنى، وأن أدوات حماية الحق والعدل والقيم الكبرى أصبح مشكوكا في صلاحيتها وقدراتها، حينها يلجأ الناس تحت ثقل الصدمة إلى أدواتهم البدائية في تغيير الواقع والبحث عن البدائل بالعنف والسرقة والتخريب.
  في هذه الأجواء تتشكل ملامح زبونية جديدة أبطالها مؤسسات مربكة تفتقد الرؤية والكفاءة، ونخب رسمية ضعيفة همها الأول والأخير أن يمضي يومها بدون ان يشوش عليها، مقابل انتهازيين جدد على استعداد للمناورة تحت كل العناوين واستثمار حالة التهميش ورداءة نوعية الحياة التي تعاني منها المجتمعات المحلية وحركة الاحتجاج الوطنية.
 إلى أي حد يمكن أن يصل التشوه الأخلاقي نتيجة لخراب السياسية والاقتصاد، نحن لا نسأل مباشرة عن معدلات السرقة الآخذة بالتضاعف يوما بعد يوم، والآخذة  بالمزيد من التنظيم كما يحدث في تنظيمات سرقة السيارات، ولا نسأل عن دعارة شبه منظمة هنا وهناك تدور حولها النقاشات الهامسة، ولا عن مظاهر الفساد الأخرى، بل عن العلاقة بين المواطنين والمؤسسات، وكيف انتقلت عقلية العصابة من بعض المؤسسات والشلل السياسية  الى المجتمع.
 الخراب الاقتصادي والسياسي يقود الى محنة أخلاقية تبرر حتى  القتل، لقد مارس الناس القتل في أماكن عديدة من العالم نتيجة الجوع والشعور بالظلم العام، حدث ذلك في النيجر والكاميرون وتونس وبوركينا فاسو وفي اندونيسيا والفلبين وغيرها، وما تزال الصفوف الطويلة لمشتري الخبز في مصر تحفر في ذاكرتنا في مزيج من النكد الاجتماعي بين الظلم وانحطاط الكرامة الانسانية. وجميع تلك المجتمعات قادت الأزمة الأخلاقية فيها بين النظم السياسية والمجتمع  الى انفجارات كل على طريقته حينما وصل التناقض الى حد لا يمكن استمراره.
 يعكس مفهوم الدولة الضامنة لمواطنيها أحد الوجوه غير الواضحة للعقد الاجتماعي، فالضمانة لا تتوقف عند حدود صياغة العلاقة بين الدولة والفرد والمجتمع على قواعد الحقوق والواجبات والانصياع والامن، بل إن فكرة الضمانة تتجاوز كل ذلك نحو الإحاطة بمصادر الرضا العام وتطوير أدوات لمتابعتها والتعرف عن كثب على كل مصادر الاحتقان، قبل أن يتحول ذلك الاحتقان إلى أزمة أخلاقية طاحنة تديرها التناقضات والهواة غير المحترفين الذين يقررون مصير الناس.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ذنب من ؟ الشعب ام الدولة! (محمد)

    الأحد 15 تموز / يوليو 2012.
    للاسف ان كل ماذكرت استاذنا الفاضل صحيح، ظلم، فقدان ثقة في كافة مؤسسات الدولة الامنية منها والسياسية والاقتصادية ، ناهيك عن السرقات والمخدرات والبلطجة ووووو القضية اكبر من هذا كله ،القضية قضية وطن سلخت من ابناءه وطنيتهم بفعل سياسات الاقصاء والولاءات الكاذبة والمدفوع ثمنها من تراب الوطن والاداله على ذلك كثيرة ليس اخرها احداث جامعة مؤتة وما حدث فيها من خراب ، الخراب الممنهج الذي تقودة القيادات التي ابتلي فيها هذا البلد سوف يجر البلد الى الهاوية ، اليس فيكم رجلا رشيد