عيسى الشعيبي

الشراب الذي تجرعه أردوغان

تم نشره في الجمعة 29 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 29 حزيران / يونيو 2012. 02:44 صباحاً

أحسب أن غضباً مكتوماً كان يختلج في قلوب المنتفضين السوريين، إزاء ما تبدّى لهم طوال أشهر طويلة فائتة من انفصام شديد بين سياسة الفم الكبير لرئيس الوزراء التركي وبين ردود أفعاله المتهافتة، ليس إزاء الجرائم الوحشية المروعة التي كان رجب طيب أردوغان قد تعهد بمنع وقوعها، وإنما إزاء الاستفزازات والاعتداءات المتفرقة على حدوده وضد ضيوفه الفارين من الجحيم.
كان هذا الغضب المشوب بالتبرم مفهوماً من جانب الذين ارتفعت سقوف توقعاتهم غداة التصريحات النارية المبكرة والإنذارات الساخنة التي أطلقها أردوغان ضد نظام الأسد، إلا أن هذه المشاعر التي كانت تحتدم مع مرور الوقت لم تكن مقبولة من جانب القادة الأتراك، الذين حملوا بين أصابعهم جمرات موقف تفردوا به بين دول الجوار السوري.
والحق أنه ما كان لثورة الكرامة السورية أن تستمر إلى هذا الوقت، وأن تنتشر وتتعمق إلى هذا الحد، لولا الحاضنة التركية التي أمنت اللجوء للمدنيين والمقرات للمنشقين، ووفرت مرور بعض الإمدادات من السلاح والمال، واستضافت المؤتمرات، وفوق ذلك قدمت الأوكسجين السياسي الذي تخشى كل ثورة انحباسه، مغبة دخولها في حصار محكم، كان على الدوام مقتلاً لأي ثورة تفتقر إلى قاعدة خلفية عريضة وحلفاء كبار يعتد بهم.
هكذا لعبت تركيا دورها بوتيرة منخفضة الإيقاع، وظلت تؤديه بلا استعراض، وتتمسك به رغم الضغوط الملحة من هنا وهناك، بل إنها بدت متحسبّة أكثر مما ينبغي، حتى لا نقول إنها بالغت في الخوف من الانجرار إلى حمأة صراع كان يتجلّى شيئاً فشيئاً كلعبة أمم معقدة، وساحة حبلى بالرهانات المتضاربة، والاحتمالات المفتوحة على ما لا يمكن رؤيته في فضاء إقليمي يشتد فيه التنافس على النفوذ والهيمنة والولاءات والحصص من كعكة سورية يسيل لها اللعاب.
كان مقدراً لهذا الدور الذي هبطت به تركيا كثيراً عن مستوى سقف التوقعات أن يستمر هكذا متراوحاً بين مد وجزر، لا يشبع الثوار ولا يميتهم من الجوع، وذلك إلى أن كسر نظام الأسد قواعد اللعبة مؤخراً، وأظهر جرأة لم يتحلّ بها من قبل في مواجهة إسرائيل، حين أسقط طائرة تركية، كان وقع سقوطها مدوياً ليس فقط في أسماع دولة أطلسية ذات وزن إقليمي راجح، وإنما أيضاً في وجدان أمة ترى في مرآة ذاتها أنها قوية مرهوبة الجانب.
على هذه الخلفية، فإنه يمكن الافتراض أن إسقاط "الفانتوم" التركية، سواء أكان بقرار ذاتي لنظام يرغب في الظهور بمظهر الضحية الأبدية لمؤامرة كونية جهنمية، أو كان بتنسيق مع روسيا الساعية إلى اختبار أجيال جديدة من منظومتها الدفاعية، سوف يكون محطة فارقة في مسار تركي أخرج عن طوره وأكره إكراهاً على تغيير قواعد اللعبة.
ليس هذا الافتراض مجرد رغبة تخامر المشفقين على شعب يواجه جيشاً يقارف ما لا ترتكبه قوات احتلال أجنبية، وإنما افتراض قائم على أساس قوامه هذا الاصطفاف النادر بين الحكومة والجيش وأحزاب المعارضة، وهذه المشاعر القومية النازفة بالغضب والانتقام والإهانة معاً، الأمر الذي يجعلنا نأخذ على محمل الجد وعيد أردوغان بعدم تمرير سقوط "الفانتوم" مرور الكرام، ووعده بدعم الشعب السوري في ثورته بكل الطرق اللازمة حتى الخلاص من الدكتاتور الدموي ومن زمرته الحاكمة بالحديد والنار.
وليس معنى ذلك أننا سنشهد في القريب العاجل اجتياحاً تركيا للشمال السوري، أو غارات جوية على معسكرات الشبيحة، وإنما من المرجح بقوة أن يؤدي الحس بالمهانة، والخوف من فقدان المكانة، والحرص على عدم تحطم الصورة، إلى إكراه أردوغان على تجرع شراب لم يشتهه، والتحول من داعم لثورة الكرامة إلى مشارك فيها بصورة أكثر فاعلية، سواء بتمكين الجيش السوري الحر من امتلاك أسلحة هجومية، أو بتصعيد الضغوط النوعية والحشود العسكرية الإنذارية ضد نظام بات في النزع الأخير وأخذ يعد أيامه.

[email protected]

التعليق