الانتخابات الرئاسية المصرية شأن عربي عام

تم نشره في الثلاثاء 29 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

لم تحظ انتخابات تشريعية أو رئاسية في أي بلد عربي، بما حظيت به الانتخابات المصرية من اهتمام وترقب وانتباه وقراءات عديدة، تخطت حدود البلد العربي الأكبر، وشملت مختلف قطاعات الرأي العام، وسائر المنخرطين في الحياة السياسية لبلدانهم؛ ليس فقط لتاريخية هذه الانتخابات التي لا سابق لها في حياة العرب والمسلمين، وإنما كذلك لمكانة مصر الاستثنائية، ولدورها كمركز تنوير وإلهام في محيطها، تماماً على نحو ما كانت عليه هِبة النيل طوال عهدها الطويل.
وقد لا يكون كثير من المصريين مدركين، وسط انهماكاتهم الداخلية المعقدة، مدى الأهمية البالغة لهذا الحدث الانتخابي الهائل، الذي ما كان له أن يرى النور إلا بفضل الثورة الشعبية العارمة، التي بدلت الواقع المصري إلى غير رجعة، وغيرت وجه الشرق الأوسط بصورة عميقة، وجعلت من الربيع العربي حقيقة سياسية كبرى من حقائق هذه المنطقة، التي كانت تضعف بضعف مصر، وتتعافى بعافية هذه الدولة القاعدية في بنية الأمة.
لذلك، فإن هذا الحدث المصري الكبير في حد ذاته، ليس شأناً مصرياً خالصاً بكل تأكيد، كونه يخاطب بمجرياته المتدفقة تباعاً على مدى عام ونصف العام سائر شعوب الشرق الأوسط، وجميع القوى والتيارات الحزبية، ومختلف الدول المحيطة، بما في ذلك إسرائيل، التي ما تزال تحبس أنفاسها وتضرب أخماسها في أسداسها، منذ أن أخذتها ثورة ميدان التحرير على حين غرة، وأقعدتها لأول مرة في حياتها في مقاعد المتفرجين بلا حول ولا قوة.
ومع أن بعض القوى السياسية الثورية المصرية صدمتها نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، وبعضها الآخر قرأ فوز مرشح النظام السابق في تلك الجولة على أنه نذير شؤم قد يفضي إلى تقويض الثورة وتجديد حكم مبارك، إلا أن محاكمة هذا المتغير المفاجئ بعقل بارد وروية، لا تحمل المراقب عن بعد ومن خارج المشهد الانفعالي القائم، إلى التوصل لمثل هذه المقاربات المتطيرة بشدة إزاء المستقبل المنظور، وذلك من منطلق الإدراك بحقيقة أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء أبداً.
إزاء ذلك، وأياً كانت الاختلافات بين سائر المقاربات الداخلية المصرية إزاء نتائج جولة الانتخابات الرئاسية، فإن من الثابت منذ الآن أن هذه الانتخابات قد أعطت قوة دفع جديدة لربيع العرب، ورفعت من سقف التوقعات حيال مآلات المشهد العربي الراهن، وهو المنفعل عادة بالأحداث المصرية الكبرى بصورة تلقائية. كما جعلت من هذه السابقة الانتخابية الموصوفة بشفافيتها ونزاهتها الشديدة، محطة تأسيسية إضافية، على طريق التحول العربي الديمقراطي الطويل، أحسب أن الحكومات، قبل الشعوب، سوف تأخذ منه الدروس والعبر الثمينة.
وهكذا، تبدو هذه الواقعة المصرية، التي ارتقت إلى مصاف المعجزات، قياساً بما جرت عليه وقائع انتخابية ملتبسة كثيرة ومتفرقة في الحياة السياسية العربية، بمثابة نقلة نوعية في مسارات الربيع العربي المتفاوتة، وانعطافة إيجابية عميقة الأثر في محيطها الواسع، من المقدر لها أن تصبح أنموذجاً يحتذى به، ومثالاً باذخاً تتطلع إليه قوى الإصلاح والحراك والتغيير في سائر البلدان العربية، وذلك بعد أن بات لدى هذه القوى معيار يمكن على أساسه قياس الوعود الإصلاحية هنا، وتطلعات التغيير هناك، ومخاضات الثورة الشعبية هنالك.
من هنا، فإنه يمكن القول بدون تحفظ، إن جولة الانتخابات الرئاسية الأولى في مصر، تعد شأناً عربياً عاماً، بقدر ما هي شأن داخلي في البلد المقدر له أن يستعيد عما قريب دوره القيادي الحاكم في المنظومة العربية، الأمر الذي يبرر لكل مشتغل بالسياسة في مشارق العالم العربي ومغاربه، أن يصرف جل اهتمامه إلى هذا المتغير الكبير في أرض الكنانة، وأن يقدمه على غيره، وأن يعول عليه كثيراً في دعم التحول الذي طال انتظاره من جانب الشعوب العربية، وأن يتعاطى مع هذه الانتخابات على أنها أمر يخصه أيضا، بقدر ما يخص المصريين كذلك.

التعليق