مطرقة الدعم وسندان الصوت الواحد

تم نشره في الاثنين 21 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً

ساعة التغيير تتحرك بفعل قوانين طبيعية واجتماعية غير بعيدة عن مصالح وتفاعلات المجتمعات، وتوازنات الفئات والشرائح المختلفة داخلها. وعندما يتقدم التغيير، فهو لا يأتي من فراغ، وإنما من معطيات وحقائق عملية، تولد وتنمو ثم تتراكم وتتدافع نحو ذروتها في لحظة تاريخية محددة. قد يتأخر أوان التغيير بعض الوقت، لكنه يستعصي على الإلغاء أو التأجيل إلى زمان غير زمانه. والحال لا تستثني مجتمعاً أو بلداً، لأنه ليس بينها من بمقدوره الإفلات من فعل القوانين الناظمة لحياة الدول والمجتمعات، أو أن يكون بمعزل عما يدور في محيطه ومن حوله، وبخاصة مناطق الجوار.
المحافظون في نادي السلطة كانوا أقل إعاقة لرياح التغيير والإصلاح، ما أمهل تطور ونمو قوى التغيير والإصلاح وأبطأ حركتها. الليبراليون الجدد من بعدهم بدوا أكثر فظاظة في إدارتهم وفي إعاقتهم للاقتصاد الاجتماعي والإصلاح السياسي والدور الرقابي للدولة، ما سرع في تنامي قوى التغيير، وصعود حراك الإصلاح وخروجه إلى الشارع، وارتفاع سقوف مطالباته الاقتصادية والسياسية إلى مستويات غير مسبوقة. وهو ما أورث الدولة مجدداً أزمتها الاقتصادية والسياسية الراهنة منذ سنتين، وأجج مظاهرها من عنف مجتمعي لافت، وانتعاش للولاءات الفرعية بأنواعها، واحتجاج مطلبي اقتصادي واسع، وحراك إصلاحي سياسي عميق.
المسؤولون، محافظون وليبراليون جدد، يقرأون درس الحاضر بعيون الماضي؛ يخاصمون التغيير ولا يرون مصلحة للدولة خارج مصالحهم. عنادهم ما يزال يبعدهم عن مقاصد الحكمة. يديرون ظهورهم لمخرجات الحراك الوطني الراهن بكل ما يحيط به من مظاهر الربيع العربي، ولا يرون فيه غير سالف خلافهم مع النقابات المهنية، ودائم خصومتهم مع الحركة الإسلامية والأحزاب. وعلى أساسه يبنون مقارباتهم لمعالجة الأزمة، ويستخدمون ذات الأدوات في إعادة إنتاج لرؤية في الحكم شاخت وانتهت صلاحيتها.
على صعيد الاقتصاد، ما تزال رؤية نخبة السلطة تراوح مكانها بعيداً عن التعزيز الفعال للاستثمار، والتنمية المتوازنة، ورقابة الحكومة على الأسواق. وامتداداً لذلك، تبتعد السياسات المالية عن عدالة التوزيع الضريبي المباشر وغير المباشر. وعلى صعيد السياسة، ليس في وارد هذه النخبة بعد بناء بيئة تشريعية ونيابية تمثيلية حاضنة للحياة الحزبية ومعززة لها، أو قانون انتخاب بخطوة أو خطوتين إلى الأمام باتجاه المزيد من المشاركة السياسية وشفافية الحكم.
نموذج الرؤية التقليدية الذي يسيطر على مراكز القرار ماثل أمامنا اليوم بوجهيه الاقتصادي والسياسي، في معالجات حكومة الدكتور فايز الطراونة للأزمة الراهنة، وهي تخطو خطوتين إلى الخلف معاً؛ واحدة في الاقتصاد، والثانية في السياسة. فبدلاً من معالجة الأزمة الراهنة بخطوتين إلى الأمام، أو على الأقل بتوازن يهيئ لخطوة إلى الخلف في جانب بخطوة إلى الامام في الجانب الآخر، اختارت الحكومة أن تتراجع في الاقتصاد وفي السياسة معاً، لتزج بالبلاد بين مطرقة خفض الدعم وسندان الصوت الواحد.
كل المسؤولين الذين خاصموا الحركة الإسلامية والأحزاب خسروا معركتهم معها في النهاية. وكذلك المسؤولون الذين خاصموا النقابات المهنية خسروا معركتهم معها أيضاً. والمسؤولون الذين يديرون ظهورهم اليوم لقوى وقيادات الحراك الصاعدة التي تنادي بالإصلاح والتغيير، سوف يلاقون ذات النتيجة. سيلوذ المسؤولون بالتقاعد، بينما يظل طريق المعارضة وقوى التغيير الصاعدة سالكة للحوار مع من للحوار، والتقدم نحو أهدافها ولو بطيئا.

akaf.alzoubi@alghad.jo

التعليق