جهاد المنسي

حوار النواب حول قانون الانتخاب بلا فائدة.. إن لم يؤخذ بوجهات نظر المتحاورين

تم نشره في الأربعاء 16 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً

قيض لي متابعة ثلاثة حوارات قامت بها اللجنة القانونية في مجلس النواب مع فاعليات حزبية واجتماعية ونقابية، حول مشروع قانون الانتخاب الذي شرعت اللجنة النظر فيه بوعد فتح حوار موسع حوله.
بداية، من حق اللجنة أن تحاور الجميع، وأن تستمع إلى مختلف وجهات النظر. ومن حقها أيضا دعوة من تشاء إلى حوارها ذاك، وأن تسجل ملاحظاتها، باعتبار أن ما سيقال في تلك الجلسات (الحوار) سيؤخذ به لاحقا من قبلها، ومن ثم من قبل مجلس النواب، لأن هذا هو الأصل في أي حوار.
المشكل أن الشواهد ما تزال حاضرة؛ فاللجنة القانونية، بالشراكة مع لجنة الحريات العامة، فتحت حوارات مماثلة مع ممثلي القوة المجتمعية حول مشروع قانون الأحزاب، وخلصت إلى نتيجة عبرت عنها في صلب مشروع القانون وضمن تعديلات نسبت بها، اعتبرت في حينها توصيات إصلاحية، إلا أنه لم يتم الأخذ بها.
فمثلا، أوصت "لجنة النواب المشتركة" بأن تكون تبعية الأحزاب لوزارة العدل بدلا من الداخلية، ما اعتبر في وقته تطورا تشريعيا إصلاحيا، وهذا ما لم يتم تبنيه من قبل أعضاء المجلس عند المناقشة تحت القبة.
كما أن "المشتركة" أوصت بشطب العقوبات من صلب مشروع القانون، وهذا أيضا لم يؤخذ به، فضلا عن تعديلات أخرى تم رفضها.
إذن، ما فائدة الحوار داخل اللجنة القانونية إن كان الحوار فقط من أجل الحوار؟! وما الفائدة إن كان ما سيخرج من اجتهادات لن يؤخذ به لاحقا تحت القبة؟! وما فائدة صرف الوقت والجهد في "خض الحليب" ان كان ذلك لن يعطي لبنا وزبدة؟!
الحق أن "قانونية النواب" تجتهد في الحوار، وقد اجتهدت سابقا. وهذا يسجل لها لا عليها، وهي تعمل جاهدة لإنجاز تشريعات يمكن أن تحاكي المرحلة. لكن في نهاية المطاف، فإن المجلس بكامل أعضائه هو من يقرر، ولا تستطيع اللجنة إلا الدفاع عن وجهة نظرها. وهي يمكن أن تنجح في ذلك أو تفشل. وفي الغالب، فإنها تفشل في تمرير تعديلات إصلاحية ترضي الشارع والنخب السياسية والمجتمعية!
وحتى لا نضيع شاهدنا، فإن جلسات الحوار الثلاث التي فتحتها "قانونية النواب" مع الأحزاب والنقابات ووجهاء العشائر الأردنية، خرج عنها ما يشبه الإجماع على التوصية بـ"دفن" الصوت الواحد، والبحث عن نظام انتخابي جديد، يؤمن أكبر قدر من التوافق بين شرائح المجتمع. وبعض المحاورين طالب برفع عدد الأصوات في مشروع القانون القادم من الحكومة السابقة، والذي منح صوتين للدائرة وصوتا آخر لمرشح القائمة مهما كان تسميتها.
كل ذلك مهم وإيجابي ومحمود، لو ترافق مع عزم نيابي جمعي على تبني ما سينتجه الحوار من وجهات نظر، والأخذ بما يجمع عليه المتحاورون. غير أن ما يحصل في غرف مجلس النواب المغلقة، وبعيدا عن "قعقعة" حوار "قانونية النواب"، ينبئ بدفع نيابي نحو إعادة الصوت الواحد، ومنح الناخب صوتا ثانيا للقائمة التي يتم دراسة إمكانية التوسع فيها، لتصبح 25 مقعدا بدلا من 15 مقعدا على سبيل المثال. بمعنى أن ما يجري في قاعة "مسرح النواب" من حوار، وما يقدمه المتحاورون من وجهات نظر وأفكار، بعيدان عما يخطط له سواد النواب بشأن مشروع قانون الانتخاب، والذي من المتوقع أن يبدأ المجلس بمناقشته تحت القبة منتصف الشهر المقبل.
مشكلتنا التشريعية ليست في الحفاظ على الصوت الواحد أو استحضار غيره من أنظمة انتخابية، بقدر ما أن بعض المشرعين من نواب الأمة يكيفون تشريعهم وفي ذهنهم سؤال واحد أوحد، هو: كم سيحصل هذا التنظيم أو الحزب أو ذاك على مقاعد نيابية في حال شارك في الانتخابات ضمن هذا الشكل الانتخابي؟ وهؤلاء يجهدون في البحث عن وسيلة لتقليص الحظوظ ما أمكن، دون أن يتم الالتفات إلى أن التشريع يجب أن لا يبنى على فرضيات داخلية!
لو عدنا إلى الحوارات التي جرت، فإن ما قاله الحضور كان دعوة صريحة إلى إنهاء الصوت الواحد. وهذا يتطلب من النواب عكس تلك الأفكار ووجهات النظر في مشروع القانون عند إرساله إلى قبة المجلس للنقاش والإقرار.
ولنفترض، مثلا، أن "قانونية النواب" فعلت ما فعلته بقانون الأحزاب، وأدخلت تعديلات جوهرية إصلاحية على مشروع القانون، فهل يمكن لتلك التعديلات أن تمر من تحت القبة؟ الأغلب لا! فالنواب في غالبيتهم غير مقتنعين بضرورة ابتكار نظام انتخابي آخر غير نظام الصوت الواحد، وهم يعملون في جلساتهم الخاصة على تكريسه، والتوسع قليلا في القائمة الوطنية المتوقعة.
في الختام، فإن المؤمل أن يُخيّب النواب هذا الاستنتاج، ويعكفوا على إقرار مشروع قانون إصلاحي يتواكب مع المصلحة العليا للوطن، ويتناغم مع عجلة إصلاحنا المنشود؛ فالقصة لا تكمن في إجراء انتخابات جديدة لمجلس نيابي جديد، بقدر ما هي الانتقال من المربع الحالي إلى مربع الإصلاح الذي يؤمن مشاركة جميع القوى الفاعلة في العملية الانتخابية المرتقبة، والتوصل إلى قانون انتخاب يعزز قيم العدالة والمساواة وسيادة القانون، والحرية، وينقل الجميع من الشارع إلى قبة البرلمان.

jihad.mansi@alghad.jo

التعليق