د.أحمد جميل عزم

مسرحية رئيس فرنسا "العادي" الرافض للتقشف

تم نشره في الخميس 10 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً

تشعر بقدرٍ أكبر من التسلية وأنت تُراقِب السياسة عن بعد، دون أن تكون جزءاً منها. هذا ما يخالجك وأنت تراقب الانتخابات الفرنسية التي أسفرت الأحد الماضي عن فوز الاشتراكي فرانسوا هولاند على غريمه المحافظ نيكولا ساركوزي، دون أن يلغي هذا المعاني السياسية والفكرية العميقة لما يحصل.
بنى هولاند حملته الانتخابية على قوله سأكون رئيسا طبيعيا أو "عاديا"، متهما غريمه بالكذب والتظاهر. ودخلت ألمانيا على خط الانتخابات، في مشهد يعكس بقوة مكانة ألمانيا الصاعدة دوليّا، بحيث بدت أنجيلا ميركل ناخبا مُهمّاً في فرنسا. فمن الواضح أنّ خِطّة الاشتراكيين مُراجعة سياسات التّقشُف ومراجعة خفض دعم الطبقات الأفقر لن تمر إلا بموافقتها. وهو ما ترفضه، وأعلنت بوضوح انحيازها لساركوزي؛ فقالت: يقول هولاند إنّه "عادي"، ولا أرى فيه أي شيء عاديا. ولا شك أنّ خروج ساركوزي من المشهد ليس سهلا للسيدة الألمانية، فقد شكلت معه ثنائيا أوروبيا، وكانت المرحلة الماضية توصف بأنّها عهد "ميركوزي".
من المشاهد الساخرة أنّ ساركوزي، ذا الأب الهنغاري الأصل والأم المنحدرة من أب يوناني كان يهودياً قبل أن يصبح كاثوليكيا، وتزوج أمها الفرنسية (جدة ساركوزي)، بنى حملته على العداء للمهاجرين! وقال في بدايات الحملة الانتخابية إنّه قد ينسحب من منطقة "تشينغن" (نظام تأشيرات الدخول الأوروبي الموحد) إذا لم يتم تشديد إجراءات دخول الاتحاد، قبل أن يتراجع عن التهديد، محذراً الفرنسيين الممتنعين عن التصويت، أنّهم إذا تركوا هولاند يفوز فسيفتح البلاد للمهاجرين.
أخذ هولاند موقفا قويا من ألمانيا، وفي الأيام التي سبقت جولة الانتخابات الثانية والأخيرة خطب بالجماهير: "إنّ الأمر ليس متروكاً لألمانيا لتقرر نيابة عن باقي أوروبا". وأضاف: "نحن لسنا أي دولة، نحن نستطيع تغيير الوضع". ولكنه ما إنْ فاز حتى اتصل بميركل، بعد ساعات من النتائج، محاولا مد خيوط تعاون. وهذا مؤشر آخر على كيفية سيطرة هاجس رضا "سيدة برلين" على "سُكّان الإليزيه" (قصر الرئاسة الفرنسية)، والتي بدورها ردّت، بعد النتائج: سننتظره (هولاند) "بأذرعٍ مفتوحة"، وسنعمل معاً. وبينما جددت رفض مطالب الاشتراكيين، وأكدت أنَّ الاتفاقيات المبرمة ليست للتفاوض، فقد مدّت ميركل خيوط التقاء. فهولاند، بنى جزءا من حملته على كلمتين، هُما "التقشف" الذي رفضه، و"النمو" الذي يسعى إليه. وقالت ميركل عقب الانتخابات: "يجب الابتعاد عن فكرة أنّ النمو يتطلب دائما أموالاً كثيرة لتحفيز الاقتصاد". ويعبّر رَدُّها هذا عن قلق، وجدل نظري مهم. فهي تجادل أنّ المدرسة "الكينزية" في الإنقاذ التي طبقتها بريطانيا للخروج من الكساد الذي أصابها في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما تبنت أفكار عالم الاقتصاد جون كينز الذي عارض فكرة اقتصاد السوق الحر تماماً، ودعا الدولة إلى لعب دور أكبر، وتولى الإنفاق والوصول إلى مرحلة أشبه برأسمالية الدولة، وهي مدرسة سيطرت في أوروبا حتى سبعينيات القرن الماضي، ليست الطريقة الوحيدة لتحقيق النمو.
ميركل وساركوزي كانا يبدوان، قبل عامين، على يسار الأميركيين، في الدعوة إلى رأسمالية جديدة ذات نزعة اجتماعية قليلا في مراعاة الطبقات الأفقر. ولكن من الواضح أنّ هذا لم يقنع أحداً. وطبيعي أن تقلق ميركل من وصول الرفض لها، ففي انتخابات فرنسا واليونان الأخيرة تراجع تأييد الناخبين للأحزاب التي تؤيد وصفة التقشف. وخسر المحافظون في الانتخابات البلدية البريطانية قبل أيام ثُلث مقاعدهم السابقة، وهي رسالة أخرى ضد سياسات التقشف.
إلى ذلك ربما أمسك أثرياء فرنسا بالآلة الحاسبة، أو أجهدوا أدمغتهم لحساب ما سيتوجب عليهم دفعه لو مضى هولاند في برنامجه، ولو فاز الاشتراكيون في الانتخابات التشريعية المتوقعة الشهر المقبل. فهولاند يريد فرض ضريبة تصل إلى 75 % لمن يكسب أكثر من مليون يورو. ولا شك أنّ هؤلاء الأثرياء يجتهدون الآن لمنع استمرار الانتصارات الاشتراكية.
ولكن من الذي سيأتي بالآخر إلى منطقته، هل يتمسك هولاند بوعوده الاشتراكية؟ وإذا تمسك فهل ينجح في إنقاذ الاقتصاد، أم يسجل فشلا جديداً للاشتراكيين؟ وهل يستمر الأوروبيون في العثور على حلول وسط، أم سيتهدد الاتحاد الأوروبي ككل؟ هذه بعض أسئلة المرحلة المقبلة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رفض التقشف والسعى نحو النمو (محمود الحيارى)

    الخميس 10 أيار / مايو 2012.
    نشكر الكاتب الدكتور عزم احمد لاطلاعنا على مسرحية الرئيس الفرنسى الرافض للتقشف والساعى للنمو والتوجة نحو فرض ضريبة 75 يالمائة على دخول الاثرياء فى فرنسا على من يزيد كسبة السنوى على مليون يورو . وهل لحكومتنا اى توجة بهذا الخصوص بمعنى زيادة ايراداتها من خلال فرض الضرائب على اغنيائنا الاردنيين؟ اشك فى ذلك فالتوجة لديها ينصب على الطبقة الفقيرة والمعدمة والتى تلهث صباح مساء لتامين حاجاتها الاساسية المعيشية وهى حاجات يسميها البعض بالبهيمية ،وبينما يسعى الرئيس الفرنسى للنمو ورفض التقشف بخلاف سعينا نحو ضبط الانفاق والتقشف وترك النمو يحبو لوحدة وبحدود 3 بالمائة فقط على ذمة اهل التقشف ودعاتة والله يستر دكتورنا الحبيب احمد. والشكر موصول للغد الغراء للسماح لنا بالتواصل عبر فضائها الرقمى الحرالفريد من نوعة فى عالمنا المحلى والاقليمى . والله وحدة الموفق.