د.أحمد جميل عزم

لماذا كتب الأستاذ رواية؟

تم نشره في الجمعة 27 نيسان / أبريل 2012. 02:00 صباحاً

قال لي الصديق المهندس والأكاديمي والمناضل، ونحن نصعد بمركبته طريق أريحا إلى ضواحي القدس شرق الجدار: يجدر بك مقابلته. لم أسأله من هو "أبو علاء"، ولكن سياق الحديث هو "الكتيبة الطلابية".
التقينا قُرب دوّار الساعة في قلب رام الله. شعرتُ بالخجل ونحن نجلس، فضغط الوقت جعلني لا أعد واجبي البيتي، لأعرف من أقابل. لكن كلمات قليلة كانت كالضغطة على ملف حاسوب في دماغي، فسألتُه متحفزاً: إذن أنت "أبو علاء منصور.. عبور النهر"؟، فردّ بالإيجاب.
عاد من بغداد العام 1972 يحمل بكالوريوس الرياضيات. قال له مسؤوله التنظيمي: مهمّتك تنظيم خلية لأعمال عسكرية. كان قد تلقى دورات في استخدام السلاح، ودورات سياسية وتنظيمية وفي العمل الجماهيري، على يد نبيل شعث، وحنا ميخائيل، ومنير شفيق، ونزيه أبو نضال. ولكن أحدا لم يخبره كيف سيرتبط بقيادته في الخارج، ولم يزودوه بمال أو سلاح.
أولى العمليات، بعد تكوين خلية ضمت شقيقه الوحيد، وصديقا له ومعه شقيقه، كانت إحراق بنكين وسط رام الله، ما حدا بالاحتلال إلى وضع حراسة عسكرية على البنوك؛ فكانت العملية الثانية قيام أعضاء الخلية، بُعيد غروب شمس أحد أيام تشرين الثاني 1973، بطعن جنديين أمام بنك ليؤومي، قرب محل بوظة "رُكَب" الشهير، وسط رام الله، والاستيلاء على السلاح.
سألتُه: لماذا أسميت كتابك "عبور النهر" رواية، هل فيه شيء غير واقعي؟ فأجاب: بل هو بكل تفاصيله حقيقي.
قفز عن تفاصيل هربه عبر النهر، وحدّثني عن عمله من عمّان وبلدان أخرى في "لجنة 77" التي كانت جزءا من القطاع الغربي في حركة "فتح"، وتعكف على التواصل مع خلايا الأرض المحتلة. جاء ذكر الشهيد الأسطورة حمدي سلطان التميمي؛ حدّثني عنه، توقّف قليلا، واغرورقت عيناه، واعتذر بصعوبة ذكرى "هذا الرجل" حمدي.
لم أكن قد قرأت "عبور النهر" بعد، ولمّا فعلت عرفت لماذا أسماها رواية، فيما يقول إنّه لا يعلم. فالتفاصيل ملحمة اجتماعية قبل أن تكون سياسية؛ قصة الأم التي تكد وتحتال على الأب لتؤمن لابنها تعليما جامعيا؛ وقصص الرجال الذين ذهبوا للعمل في البرازيل، وخلّفوا وراءهم زوجاتهم؛ وقصة شجرة يقدّسها أهل القرية يُصبح لزاما قطعها إذ هدّدت المسجد القائم قربها، فيخاف الأهالي وخصوصا السيدات عواقب خطوة عدّها بعضهم حراماً. وكذلك قصة العمل في مخبز قبالة مسجد الصفدي في جبل عمّان (شارع الرينبو)؛ وقصة أستاذ رياضيات في ثانوية للبنات يخفق قلبه بحب إحدى الطالبات. وأيضاً تكوين الخلية، وقصة انكشاف أمرها، واعتقالهم باستثنائه، والعبور المستحيل للنهر؛ والعائلة في العدسية الشمالية ظنّته لصا، فأوشكت على ضربه بالعصي، وحين قال "أنا فدائي"، استضافته وأكرمته، وأبلغوه بحزن صباحا أنّ عليهم تسليمه للشرطة لحساسية الوضع الأمني. حقّقَ معه ضابط الشرطة في إربد، وجمع من أفراد الشرطة مبلغا نقديا سلموه له ليستعين به في السجن لحين انتهاء التحقيق.
طعَّمَ محمد محمود يوسف، الشهير باسم "أبو علاء منصور"، كتابه الذي يعاني مشكلات طباعية، بصور أدبية، واستطرادات فلسفية، منها قصة شرنقة ننفخ عليها ونزيد الحرارة حولها فتخرج الفراشة من شرنقتها قبل أوانها، ولكنها تخرج بأجنحة مشوهة لا تقوى على الطيران.
حدثّنا بخبر من دخلوا وخرجوا من فلسطين تسللا من حدودها الأربعة، منهم فلسطينيون، ومنهم اللبناني موسى فواز: "اجتاز النهر وأُحصي في بلدة قباطية قبل أن يعتقل بعد أشهر ويُحكم بالمؤبد. ماجد العراقي، فوزي الزعبي الشرق أردني، محمد غانم السعودي، والسوري محمد الغربي". وقصة خلية من 13 شخصا استشهدوا أثناء عبور النهر.
أصبت بخيبة أمل؛ توقفت القصة بانتهاء التحقيق معه والخروج، ولم أعرف قصة "لجنة 77"، وحمدي، والغربي.
قلبتُ صفحة الكتاب الأخيرة، وجدتُ عليها، وبقلم الحبر، أسماء وعناوين البريد الالكتروني لشباب وشابات "ائتلاف مغاربة الانتفاضة الفلسطينية"، وحملة المقاطعة في المغرب (BDS)، الذين صادفتهم في أحد شوارع مراكش وأنا أحمل الكتاب باحثا عن مقهى أقرؤه فيه. سألوني يومها عن الكتاب وصاحبه، حدّثوني بقصص عشقهم لفلسطين.
هو حجر ألقيتموه في الماء الراكد، يا أستاذ، فاندلعت أنهارٌ حتى المغرب، وما بعدها.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »..... (Nadeen)

    الجمعة 27 نيسان / أبريل 2012.
    بكيت .. و كفى
  • »بهدوء (جمال)

    الجمعة 27 نيسان / أبريل 2012.
    لطيف يا دكتور احمد...احب هذه المقالات منك ...لقد اسبغت هدوءا جميلا ودعة ووداعة على صباحي الذي بدأللتو...
    هذه المقالات بالنسبة لي، وربما لكثير من القراء تجسر فجوة وتكمل نقصا يتمثل في اننا لم نعايش تلك الاجواء التي تتحدث عنها، وهو امر اذكره بأسى وحزن، فتأتي لتسد بعض هذا النقص.
    أغبطك على الوقت الذي تقضيه في القراءة في مقهى جميل...الغيرة ستدفعني لان افعل ذلك الان.
    طيب الله اوقاتك