د.أحمد جميل عزم

رسالة نتنياهو.. "ألف مبروك"

تم نشره في الثلاثاء 24 نيسان / أبريل 2012. 02:00 صباحاً

قال نبيل أبو ردينة، الناطق بلسان الرئاسة الفلسطينية، قبل نحو 6 أشهر (مطلع  تشرين الثاني 2011): إن السلطة الفلسطينية بصدد اتخاذ قرارات مهمة وخطيرة وكبيرة في المرحلة القادمة، إذا ما استمرت إسرائيل في سياستها الاستيطانية، وإذا ما استمرت اللجنة الرباعية الدولية في عجزها عن استئناف عملية السلام. ‬وقال حينها في حديث لإذاعة "بيبيسي"، إن القرار الفلسطيني المتوقع سيغير وجه المنطقة والشرق الأوسط بأسره.
بعد هذه الأشهر، يقول لنا أبو ردينة ذاته، إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تباحث مع مبعوث الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الشرق الأوسط ديفيد هيل، في
رام الله، يوم السبت الماضي، وقال: "أبلغنا الجانب الأميركي بأننا بانتظار الرد الإسرائيلي على الرسالة السياسية (التي أرسلها الفلسطينيون إلى رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو قبل أيّام) بعد أسبوعين. فإذا جاء إيجابياً، فسيكون مشجعاً لتحريك الأمور بالاتجاه الصحيح". ويقول صائب عريقات إنهم سينتظرون أسبوعين لتقرير الخطوات المقبلة. وأجاب عن سؤال حول طبيعة الخطوات: "لا أعرف، سنقرأ الرسالة أولا ثم نقرر".
شتّان بين خطاب يريد تغيير وجه الشرق الأوسط، وبين خطاب مفاده "لا أعرف"، وخطاب الانتظار، والاستعداد للمناقشة، والبحث عن قرار! مرة بعد مرة بعد مرة، القرار هو الانتظار.
ونقلت وكالات الأنباء نهاية أيلول 2010 أن الرئيس محمود عباس قال إنّه سيعلن عن "قرارات تاريخية" خلال الاجتماع المقبل للجنة المتابعة العربية. وفي نهاية 2010، قال لنا أبو ردنية إنّ لجنة متابعة مبادرة السلام العربية قررت وقف المفاوضات، بانتظار عرض أميركي توضح فيه واشنطن ‬المرجعيات التي سيتم على أساسها التفاوض.‬
وفي نهاية الشهر الأول من هذا العام، قال الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية لشؤون فلسطين،محمد صبيح، إن لجنة المتابعة العربية ستتخذ موقفا حاسما من المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية (‬في اجتماع عقد حينها).‬‬
هذا التكرار يكاد يتطابق مع فكرة فيلم "ألف مبروك" من بطولة الممثل المصري أحمد حلمي. وتقوم حبكة الفيلم على استيقاظ البطل كل يوم ليعيش مجموعة أحداث تنتهي نهاية مأساوية، ويستيقظ كل يوم لتتكرر الأحداث، مع اختلافات طفيفة. ويحاول البطل في كل يوم تغيير شيء من مسار اليوم الماضي، علّه يغير من النهاية، فينجح قليلا في التفاصيل، ولكن النهاية واحدة ومتكررة.
والفيلم كوميديا سوداء، على ما فيها من "إضحاك" يصل بالمشاهد إلى حالة غريبة من مزيج من الرغبة في المتابعة، وحالة الدوار التي يتسبب بها تكرار المشاهد، كما لو كانت دوامة تسبب حالة من فقدان التوازن.‬
في قلب المشهد الفلسطيني، عدا قصة المفاوضات، والقرارات التاريخية المنتظرة حيناً، وغير المعروفة التي تحتاج اجتماعات وانتظارا حيناً آخر، هناك أيضاً قصة المصالحة التي تبدأ مشاهدها في القاهرة حيناً، ويوقع عباس ومعه خالد مشعل وترتفع معنويات الشارع، وتعم الفرحة، ويتحفظ محمود الزّهار وآخرون، ثم يعود التوتر. وفي المشهد التالي يوقع عباس ومعه خالد مشعل، ولكن هذه المرة في الدوحة، وترتفع معنويات الشارع وتعم الفرحة، ويتحفظ محمود الزّهار وآخرون، يبرز منهم هذه المرة اسماعيل هنية، ثم يعود التوتر.
وفي المشهد المتكرر انتخابات إسرائيلية، لتتوقف العملية السياسية وتتأجل القرارات التاريخية. وفي المشهد التالي انتخابات أميركية، فتتوقف العملية السياسية وتتأجل القرارات التاريخية. جزئية لا تتغير في المشاهد تقريبا، ولكن تتكثف وتزاد وضوحاً، هي الاستيطان، ففي كل مشهد مستوطنة جديدة.   ‬
قال محمود درويش يوماً: "يا ملك الانتظار، ‬إنّ هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار (...)، ‬كل شيء معد لنا، فلماذا تطيل التفاوض؟". ربما هذه القصيدة هي الموسيقى التصويرية للمشاهد، وتتكرر الآن، مع إضافة كلمة في الجزء الأخير فيصبح "فلماذا تطيل انتظار التفاوض؟"‬.
حالة الحلقة المفرغة هذه لا يمكن أن تستمر طويلا.. ولا بد أن يتوقف المشاهدون عن مجرد المشاهدة للبحث عن رد فعل بديل.‬

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اني انتظر (جمال عزت)

    الثلاثاء 24 نيسان / أبريل 2012.
    مقاربة جميلة للواقع الفلسطيني. واكثر ما يحير هو رد اللافعل. وكأن ما يجري حولنا في منطقتنا لم يجر، وكأن المتغيرات والمستجدات تحدث في عالم آخر. هذا الامر هو ليس على صعيد المحتل فقط، الذي يمعن في الاستيطان والتغول والتبجح، ولكنه على صعيدنا ايضا، اذ نقف متجمدين نتابع وننظر بشرود اقرب الى البلاهة ولا نغير في المواقف او ردود الافعال. فعلا ما يجري امر محير.
    واشارك الكاتب المحترم في الاستدلال بكلمات محمود درويش:

    أنّني أنتظر ...
    خارج الطقس ،
    أو داخل الغابة الواسعة
    كان يهملني من أحب
    و لكنّني
    لن أودّع أغصاني الضائعة
    في رخام الشجر
    إنّني أنتظر ...