د.أحمد جميل عزم

عندما يترك فلسطيني أمواله عند الإسرائيليين!‬

تم نشره في الاثنين 16 نيسان / أبريل 2012. 02:00 صباحاً

بحسب وكالة أنباء "رويترز"، يقرّ علاء الرفاتي، وزير الاقتصاد في حكومة حماس بغزة، بأن الحركة تحتجز إقرارات جمركية تحتاجها حكومة سلام فياض لجمع إيرادات بنحو 95 مليون دولار، وأنها ستستمر في ذلك حتى توافق "السلطة" على تحويل الأموال إلى غزة مباشرة. وأضاف أنّ هذه الإقرارات لم ترسل إلى رام الله منذ سيطرة حماس على القطاع. وتقول حكومة رام الله إنّ هذه الإقرارات هي أصلا أقل بكثير من القيمة الحقيقية التي يفترض جبايتها.‬
يعني هذا الطرح، وفق المعلومات المتوافرة بين أيادينا، أنّ حماس لا تُعارض آلية جباية إسرائيل الضرائب وتحويلها للسلطة، ولا تعارض علاقة حكومة رام الله مع إسرائيل، ولكن على أن يكون ذلك بحسابات منفصلة لكل من الضفة والقطاع، لتوريد حصتها! على ما يعنيه هذا من حيث الانفصال. وتريد حكومة حماس أن تعمل وزارة فياض وسيطا متطوعا بين الحركة وإسرائيل، وإذا لم تكن تقصد هذا، فهل تريد استلام الأموال من إسرائيل مباشرة؟!
المعنى المؤلم لهذه العملية أنّ طرفا فلسطينيا رضي أن تحتفظ إسرائيل بأموال من حق الفلسطينيين (الضرائب والجمارك)، على أن يتحكم بها الطرف الفلسطيني الآخر، وأن الطرفين يفشلان في التوافق. وهذه الأموال من شأنها أن تُغطي تكلفة رُبع السنة من كهرباء غزة مثلا! في المقابل، تتحفظ حكومة فياض على فتح حدود غزة مع مصر تجاريا، لئلا تستقل حماس، وتملك مصدر ضرائب مستقلا. وبالطبع، تخشى حكومة
رام الله أن تصبح مطالبة بالاستمرار في دفع مبالغ لغزة، مع حصول حماس على الضرائب والجمارك. ولكن هذا يعني بالمحصلة بقاء دور إسرائيل بدل التحرر منها!
كذلك، تريد حماس الاستمرار في الحصول على نصيب من المساعدات الأجنبية عن طريق فيّاض، دون التوقف عن اتهام "السلطة" في رام الله بتقديم التنازلات السياسية مقابل هذه الأموال. إذ كلما أثير موضوع تقديم حكومة رام الله أموالا لغزة، ردت حماس أن هذه مساعدات أجنبية مقدّمة للشعب. ويدخل في هذه الأموال بطبيعة الحال مبلغ 147 مليون دولار قدمته واشنطن الأسبوع الماضي؛ فلا مانع من اتهام عباس بتقديم تنازلات مقابل هذه الأموال، مع الحصول على نصيب منها!
يعيش الفلسطينيون أزمة مالية خانقة، إلى درجة أصبح الراتب معها محور تفكير موظف السلطة اليومي، ومحور معاناته ونكاته، ومحور رسوم الكاريكاتير. وفي الأثناء، تُظلِم غزة إذ تنقطع الكهرباء فيها، إلى درجة أنّ انقطاعها لم يعد خبراً يهتم به الإعلام؛ أي أصبح عاديّا، وبات ضروريا أن نسأل أهل غزة عن توفر الكهرباء والماء والدواء والغذاء، فالإعلام لم يعد ينقل شيئا.
‫إذا كان الاحتلال هو سبب المعاناة الأول، وسبب المشكلات كلها، فإنّ الانقسام هو السبب الثاني.‬
‫يحصل كثير من الموظفين الفلسطينيين في قطاع غزة على راتب من حكومة رام الله دون عمل، سواء لأنّ لديهم تعليمات بذلك ممن يدفع الرواتب، أو لأنّ حماس لن تسمح لكثير منهم (مثل عناصر الأمن) بأن يبقوا في مواقعهم، والنتيجة بطالة مقنّعة. وحتى مع الشق السياسي لهذه الرواتب من حيث نفوذ حكومة
رام الله، فإنّ حماس وللأهمية الاقتصادية لها لا تلاحقها أو تجرّمها، كما تفعل بشأن كثير من الاتصالات مع رام الله.‬
إلى ذلك، هناك نوع من الخصخصة لاقتصاد الحصار؛ فالأنفاق بين غزة ومصر ليست عملية نضالية يقوم بها فدائيون حفروا أنفاقاً وخاطروا بحياتهم ليوفروا احتياجات شعبهم، أو عملا تقوم به كتائب القسّام أو قوات الأمن نيابة عن الحكومة للمواطنين، بل هي شركات مساهمة، تقوم على أسس الربح والخسارة، وهي التجارة الأفضل في الوقت الراهن لإنتاج الأثرياء، ومصدر الضرائب الأول للحكومة في غزة. وليس هذا الوضع بالضرورة خطأ تماماً، فالقطاع الخاص كفء في كثير من الأحيان، ولكن له تبعات كثيرة خطرة خصوصاً في حالة الاحتلال، إحداها احتمال تشكل طبقة مستفيدة من استمرار الحصار.‬
هناك إذن رواتب تُدفَع دون إنتاجية، وهناك اقتصاد أنفاق يزيد تكلفة السلع على المواطن لصالح طبقة محددة تدفع ضرائب، وهناك هدر جمركي حافزه النكاية والمحاصصة، وغير ذلك الكثير!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »للاسف (جهاد)

    الاثنين 16 نيسان / أبريل 2012.
    يا خسارة اصبحت القضية الفلسطينية رواتب وموظفين و ضرائب ومساعدات ...
  • »أموال فلسطينية لدعم جيش الدفاع الإسرائيلي (عبد الغني سلامه)

    الاثنين 16 نيسان / أبريل 2012.
    ما هو مؤلم بالفعل أن حماس بطريقة مباشرة وغير مباشرة تسهم في دعم ميزانية جيش الدفاع الإسرائيلي ؟! كيف ؟ من المعروف أن أي عملية الاستيراد تأتي عبر ميناء أسدود أو حيفا، وهناك تحتجز إسرائيل قيمة الضريبة أو الجمارك عليها وتسمى (المقاصة) ثم تعيدها إلى السلطة الفلسطينية ولكن بعد أن تقدم السلطة فواتير بكل عملية استيراد، والسلطة لا تملك صلاحيات حقيقية على التجار لتقديم هذه الفواتير، إلا من باب الالتزام الوطني ، وأي تاجر لا يقدم نسخة عن فاتورته للسلطة فإن السلطة لن تستطيع استرداد مبلغ الجمارك، وهنا فإن إسرائيل ستقوم بحجز هذه الأموال (التي لم تُغطى بفواتير) وتحولها إلى ميزانية وزارة الدفاع، لأنها الوزارة الوحيدة التي لا يُحدد لها سقف أعلى وتبقى موازنتها مفتوحة تحسبا للطوارئ .. وطوال سنوات حكم حماس لغزة كانت تدخل إلى غزة مئات وآلاف الشاحنات المحملة بالبضائع عن طريق معبر المنطار أو كرم أبو سالم (أي عن طريق إسرائيل) ولم تكن حكومة حماس تقوم بتحويل فواتير المقاصة للسلطة حتى تتمكن من استرداد قيمة الجمارك، ما يعني أن السلطة كانت وما زالت تخسر مئات الملايين من الدولارات سنويا من عائدات ضرائب غزة، وهذه الملايين كانت تذهب مباشرة لخزينة وزارة الدفاع، والسبب في ذلك أن حماس تشترط من أجل تحويل الفواتير أن تذهب عائداتها مباشرة إلى حكومة غزة، وهذا حسب ما أشار د. أحمد أن طرفا فلسطينيا (حماس) يقبل أن تذهب الأموال لإسرائيل ولا أن تذهب للسلطة الفلسطينية !! ولا أعرف شكلا أهم وأكبر من أشكال دعم إسرائيل من هذا الشكل الغريب المؤلم.