د.باسم الطويسي

الزبونية الجديدة

تم نشره في السبت 7 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

ظاهرة الركوب على ظهر الحراك الشعبي بدأت منذ اليوم الأول، ومارسها أفراد ونخب وجماعات لمصالح شتى. ولكن تنميط الظاهرة لتبادل المنافع هو الجديد. فبعد مرور ما يقارب عاما ونصف العام على الحركة الاحتجاجية، ثمة بعض الملامح القابلة للقراءة المتأنية في سلوك المجتمعات المحلية، وفي طرق تصعيدها للناشطين الجدد، وفي الطريقة التي تتعامل بها المؤسسات الرسمية مع الحراكات على المستويات المطلبية تحديدا، وكيف تعيد إنتاج العطايا والصدقات السياسية على رنين هتافات المحتجين.
ثمة مفارقة بائسة ترصد بشكل واضح كيف تعيد تلك المؤسسات إنتاج نمط من الزبونية الجديدة في نموذج هش، يدلل للأسف على مدى ذعر تلك المؤسسات وضعف نخبها، رغم كل ما يقال عن حالة التحرز والحذر التي أوجدتها الدعاية الرسمية في مكافحة الفساد.
تتعدد الأمثلة في المحافظات وغيرها على حالات وأنماط جديدة من الاسترضاء والتنفيع تحت صيغ الاستقواء أحيانا، وصيغ العطايا التي تمارسها مؤسسات حكومية وصناديق ومشاريع ممولة رسميا أو موجهة رسميا، بهدف إيجاد قوى جديدة أو لإسكات أفراد لا علاقة لهم بالحراك ولا بمطالبه، بل ركبوا موجته أو يهددون بسيفه لتحقيق مصالحهم. ونسأل هنا عن علاقة بعض النواب بهذه الجهات وبعض المسؤولين السابقين وفتوات جدد، وحتى بعض رموز مؤسسات أهلية وغيرهم ممن استطاعوا أن يضغطوا أحيانا باسم الحراك الشعبي أو التهديد باللغة السائدة لتحقيق مصالح ضيقة. تعالوا نرصد حجم الجمعيات التعاونية والجمعيات الأهلية التي رُخصت في هذه المرحلة بهدف تمرير هذه الصفقات.
في هذه الأجواء تتشكل ملامح زبونية جديدة، أبطالها مؤسسات مربكة تفتقد الرؤية والكفاءة، ونخب رسمية ضعيفة همها الأول والأخير أن يمضي يومها بدون أن يشوش عليها، مقابل انتهازيين جدد على استعداد للمناورة تحت كل العناوين، واستثمار حالة التهميش ورداءة نوعية الحياة التي تعاني منها المجتمعات المحلية وحركة الاحتجاج الوطنية.
على مدى سنوات طويلة، بقيت تلك المجتمعات أسيرة ثقافة الرعاية والزبونية والتقاسم الوظيفي للأدوار، وسيطرة ثقافة بائسة قائمة على فلسفة الإنصاف والرعاية والزبونية. وهي فلسفة اجتماعية عاجزة، استندت في أدواتها على الشكوى والمطالب، وتذهب عميقا في علاقة المجتمع بالدولة. وفي هذه العلاقة يكمن فشل التنمية، وتُقرأ بعض مصادر الحركة الاحتجاجية.
إن فكرة الرعاية والناس القُصّر اخترعها بعض نخب مؤسسات الدولة في ممارساته اليومية، ليس لأهداف اقتصادية اجتماعية تصب في عدالة التنمية، بل لأهداف سياسية بحتة. هذه الفكرة ساهمت بشكل مباشر في انتكاس المجتمعات المحلية من التطور الاجتماعي التواق إلى العدالة الاجتماعية بمفهومها التنموي الواسع القائم على تمكين المجتمعات المحلية من مصادر القوة الاقتصادية والاجتماعية، لتعتمد على ذاتها، إلى فلسفة الرعاية القاصرة التي تجعل مجتمعات بأكملها مجتمعات قاصرة بحاجة دوما إلى العون والصدقات.
كما يكمن فهم مصادر هذه الظاهرة  في استراتيجيات التكيف قصير الأمد، التي تقود على الغالب إلى فقر طويل الأمد. إن المجتمعات المحلية التي تشهد أنماطا مشوهة من التنمية على شكل مشاريع غير قابلة للاستدامة، ومشاريع غير مضمونة النتائج، أو ربط مجتمعات محلية بمشاريع لا تستهدفهم من قريب أو بعيد، وربما فقط ترتبط بهم أحيانا لأسباب جغرافية، وغير ذلك من أحوال.. تؤدي إلى الإرباك الذي يعيد تلك المجتمعات من مجتمعات إنتاج الكفاف التواق إلى المزيد من العدل وتكافؤ الفرص، إلى مجتمعات العوز والحاجة إلى الرعاية، والتي تتحول تلقائيا نحو الأسوأ؛ من مطالب الرعاية إلى مجتمعات للصدقات.
في ظل نفوذ خطاب الرعاية، تسود حالة من الاستقرار المشوه والهش، الذي لا يمكن أن يعول عليه. وهنا تكمن مصادر الخطورة الحقيقية؛ حينما تتحول السياسات الاجتماعية الاقتصادية إلى مجرد وظيفة سياسية. والجديد الذي يولد اليوم هو الصراع بين القديم الذي يتجدد على شكل زبونية جديدة تستثمر في البيئة الرخوة والحركة الاحتجاجية ذاتها، وبين ميلاد وعي جديد في هذه المجتمعات ينتقل من ثقافة الرعاية والزبونية إلى وعي العدالة، وأوضح تجلياته الحركة الاحتجاجية ذاتها.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام سليم ويجب التوقف عندة (محمد)

    الأحد 8 نيسان / أبريل 2012.
    الكلام المكتوب سليم وهنالك الكثير من ركب على ظهر الحراك وربما لا تزيد الامور وضوح اكثر من ذلك ومن امثلتهم من يظهر على شاشات التلفزة ويتحدث باسم الحراك الشعبي وهو لا يمثلهم وانما راكب الموجة
  • »شو بدك ؟ !!! (جهاد)

    السبت 7 نيسان / أبريل 2012.
    لماذا لا تسمي الأمور بمسمياتها ؟ لا أرجم بالغيب أنا وكثير من القراء ولا نستقرء النجوم ؛ لنكن واضحين في اتهاماتنا- عفوا؛ في تحديد أوجه القصور والخلل -
  • »على ظهر الحراك (مروان)

    السبت 7 نيسان / أبريل 2012.
    الموضوع لا يتوقف على الذين ركبوا على ظهر الحراك الشعبي واستفادوا ماديا من الحكومة ومن وزارة التخطيط ، بل يوجد من اصبحوا من منظرين الحراك ونجدهم كل ليلة على شاشات التلفزيون ولا علاقة لهم بالحرك لا من قريب ولا من بعيد