محمد برهومة

"الإخوان".. كطائفة سياسية متمايزة

تم نشره في الجمعة 6 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

حيرة جماعة الإخوان المسلمين في ظل حراكات الربيع العربي بين فكرتي "المغالبة" أو "المشاركة"، حيرة تتصل بمدى تأثير توسيع دخول الجماعة في السياسة على بنائها التنظيمي ووجودها الممتد في غير بلد، وبالتالي على هويتها الفكرية. وما يزال "الإخوان" يتعاملون من أجل صيانة "وحدة التنظيم" وكأنهم "طائفة سياسية" لها هموم خاصة، ومخاوف تقف على مسافة من هموم عموم المواطنين والناس العاديين. وهي مسألة تعدّ سببا أساسيا في إضعاف المكوّن المحلي أو الوطني الجامع في بنائهم الفكري أو السياسي، وهو ما يوضح المفارقات الانتخابية؛ إذ إن انتخاب الإخوان في الأردن لا يترتب عليه أبدا الاستنتاج بأن الشعب الأردني "إخوانيّ الهوى"، مثلما أن تركيبة "مجلس الشعب" المصري المنتخب قريبا لا تعكس حقيقة المجتمع المصري بتنوعه وأطيافه وتلاوينه وغناه.
لدى الطوائف عموما قلق عميق ومديد على المصير والوجود. ويستغل المتشددون في الطوائف هذه الهواجس لجعل الانغلاق والتحشيد والتعبئة ضد الخصوم وسيلة لوحدة الطائفة، والحيلولة دون تفككها وذوبانها. وشعار المحافظة على "وحدة التنظيم" لدى جماعة "الإخوان المسلمين" عنوان كبير يقترب من درجة التقديس، وهو يبرر الكثير من المواقف والقرارات والسياسات التي تبيح سلوك درب "الاستثناءات" و"الضرورات" لصدّ المخاطر التي تهدد وحدة التنظيم وتمنع تفككه وانقسامه، وهو وعي يقترب من وعي الطوائف لذاتها ومستقبلها، الأمر الذي قد يجعل "الإخوان" يتصرفون بطريقة أقرب إلى الطائفة.
لقد جاء ترشيح خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية في مصر تحت عنوان المحافظة على وحدة التنظيم والجماعة، وفي ذلك تجاوز لفكرة "مشاركة لا مغالبة". إذ إن الاحتمالات القوية لتوجه شباب الإخوان نحو ترشيح عبدالمنعم أبو الفتوح أو حازم أبو إسماعيل، كان سيقوي الانقسام الفكري، الموجود أصلا، داخل الجماعة، وهو ما أظهرته نتيجة التصويت في مكتب الإرشاد على ترشيح الشاطر.
ما يحدث في الحقيقة، عبر انخراط "الإخوان" في السياسة والحكم مغالبةً لا مشاركةً، إنما يطرح احتمالات اهتزاز وحدة التنظيم، على المستوى المتوسط أو البعيد بفعل السياسة. فالأحزاب تسعى عبر رفع سقف الأدلجة في صفوفها إلى مقاومة الضغوط والتحديات الخارجية، واختبارات المحيط لقدرتها على التكيّف والتجديد باجتراح إجابات ومقولات جديدة لمواجهة الأسئلة التي يفرضها الانتقال من حالة العزلة والمشاركة الهامشية والعمل كمعارضة سياسية أو كطائفة سياسية محرومة ومستضعفة ومطاردة إلى حالة ينظر إليها على أنها تعبّر عن رغبة في الاستحواذ وانتهاز الفرصة وتوظيف الفوز الديمقراطي الأكثري الحالي إلى جانب "الاستضعاف" التاريخي من أجل تحقيق أجندة حزبية. والفترات الانتقالية التي تمر بها المجتمعات والدول، مثل التي تعيشها منطقتنا مع الربيع العربي، من المفترض أن تغلّب منطق التوافق وتوسيع مروحة الفاعلين السياسيين في صياغة عقد اجتماعي جديد ومتوازن يعكس مصالح مجموع الفئات والأحزاب والطبقات، وليس تغليب منطق الاستحواذ وتهميش الآخرين بحجة ضعف تمثيلهم. وتغليب التوافق على المغالبة ضروري في المراحل الانتقالية من أجل تأمين السلم الأهلي ومنع الانفلات الأمني تحت وقع مشاعر التهميش والإحباط من أن المشاركة في الحراكات الشعبية لم تمنح كثيرا من الفئات حصة في اللعبة السياسية، وهو ما يعبّر عنه بجدل الشرعية الثورية والشرعية الانتخابية من جهة أو عدم طغيان الأغلبية الديمقراطية من جهة أخرى.
المتشككون تجاه  جماعة "الإخوان" كثيرون، والجماعة حتى الآن لا تنجح في طمأنتهم وكسب ثقتهم وتأكيد صدقيتها. وأمام قلة الاطمئنان واتساع الاعتراض، لا يبدو كافيا التذرع بالأكثرية الانتخابية لغض الطرف عن هذه الاعتراضات والشكوك.
"الإخوان" يحتاجون إلى جهد كبير لتأكيد أن الهوية الوطنية تتقدم على هويتهم الصغرى (الحزبية) التي تحيلهم إلى طائفة سياسية متمايزة، تأخذ مسافة عن الناس العاديين.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التحليل والرؤية العميقة (d. mustafaa bd alhaq)

    الجمعة 6 نيسان / أبريل 2012.
    أنتظر يوم الجمعة كي اقرا التعليق السياسي لكاتبنا المحلق السيد محمد برهومة.. ورغم اختلافي معه في ما ذهب اليه في مقاله اليوم، الا انني معجب بتخريجاته المنطقية لافكاره وامتلاكه زمام التحليل والرؤية العميقة.. بالتوفيق دائما
  • »قليلاً من الثقة بالشعب (محمد مكرم)

    الجمعة 6 نيسان / أبريل 2012.
    كثير من الكتاب عندما يكتبون عن الأخوان لا ينطلقون من تحليل موضوعي للواقع بل يعبرون عن قناعات مسبقة كرستها حملات عزل وتحجيم الحركة الإسلامية ومحاولة شيطنتها، الغريب في الموضوع أن هذه النخبة تزكي نفسها دوما وتكيل الشتائم للشعب الذي أختار الحركة الإسلامية. هناك فوقية مستفزة تمارس تجاه الحركة الإسلامية والشعب الذي اختارها من قبل هذه النخبة، وهو شيء محير خصوصاً أن هذه النخبة لا تعدو كما يقال بالعامية عندنا، لا تعدو أكثر من كونها"حمولة بكب"، والله المستعان، هداكم الله.
  • »التماسك الداخلي ليس طائفية (باحث)

    الجمعة 6 نيسان / أبريل 2012.
    التماسك الداخلي لأي تنظيم حزبي أو فكري صفة مهمة وإيجابية، كما هو التماسك الداخلي لأي مجتمع. فلماذا تعد هذه الصفة في حالة الإخوان نقيصة. أصبح واضحاً الآن وبصورة تدعو إلى العجب أكثر مما حصل في الجزائر وأكثر مما حصل لحماس أن الديمقراطية التي تأتي بالإسلاميين ديمقراطية غير مقبولة. فما البديل إذن؟ الأمر في مصر واصح تماماً دكتاتورية الأقلية هي البديل!
    إذا كان المقصود هو تحجيم الحركات الإسلامية، فالديمقراطية نفسها هي الكفيلة بذلك، إن لم تستطع هذه الحركات ان تحل مشاكل الناس وتحدث تغييراً إيجابياً في حياتهم.
    الديمقراطية في تركيا أتت بحزب العدال والتنمية وشعبيتهم تزداد لأنهم قدموا للناس ما لم يقدمه غيرهم، ولو لم يكن الأمر كذلك لقال الشعب كلمته فيهم. أعطوا من أعطاهم الشعب ثقته فيهم فرصة، ليجربهم الشعب، وبعد ذلك الشعب كفيل بمكافأة المحسن ومعاقبة المسيء، هذا إذا كنتم تؤمنون بحق الشعق في الاختيار، واحترام اختيار الشعب، والثقة به. أما أن تقولوا الشعب لا يحسن الاختيار، فهذا نكوص عن الديمقراطية، فقولوها صراحة!!