ما "بعد بعد" 26 كانون الثاني

تم نشره في الثلاثاء 27 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

واجهت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، عندما قررت التجاوب مع تأجيل تقرير غولدستون العام 2009، هجمة غير مسبوقة، باعتبار ما قامت به تفريطاً. وعندما ذهبت إلى الأمم المتحدة رفعت من حجم التوقعات لدى جماهير عريضة، وحصدت الخطوة تأييدا شعبيا واسعاً، مع تشكك وتشكيك من قبل قطاعات لا يثق بعضها بالمجتمع الدولي، ولطالما خاب أملها فيه، فيما يواصل البعض مبدأ مناكفة الرئيس محمود عباس وفصيله.
ثم جاءت عضوية فلسطين في "اليونسكو"، فأيدها كثيرون، وتساءل البعض عن معناها العملي والسياسي الحقيقي. وربما علينا أن نسأل الآن، أو بعد وقت ليس طويلا: كيف أثرت عضوية "اليونسكو" في القضية الفلسطينية عمليّا؟
بعد ذلك، حدّد عباس، ومعه بالدرجة الأولى كبير المفاوضين صائب عريقات، يوم 26 كانون الثاني باعتباره موعدا فاصلا يختلف ما قبله عمّا بعده. وبمرور يوم أمس، يكون قد مضى شهران على الموعد ولا يوجد شيء يذكر.
هناك حديث عن "رسالة" فلسطينية يتم إعدادها تعليقاً على المفاوضات وتوقفها. ويتم في الوقت ذاته، وعلى نحو واسع، تداول صورة للصفحة الأولى من صحيفة القدس المقدسية، قبل 20 عاما، يتعهد فيها القادة الفلسطينيون بعدم المضي في المفاوضات دون وقف الاستيطان، ما يجعل الأمر يبدو عبثيّا.
تبدو مسألة الرد برسالة غريبة؛ فالتوقعات أنّ الحديث يدور عن فعل ما، وقرارات محددة، ومقاومة شعبية، أو قرار مثل حل السلطة. وفي مماطلة جديدة من الصبر والتأني، سرت توقعات أنّ الرسالة ستتضمن شيئا من هذا.
ولكن لا شيء من هذا يحدث، ولا رسالة تُرسل، ما يعيدنا إلى تساؤل آخر: لماذا يجب الانتظار؟ لماذا لم تكن "الرسالة" جاهزة عند رفض عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، أو لتعلن يوم 27 كانون الثاني، فتكون ورقة ضغط يتم التلويح بها حينها؟
نحن الآن مع خبر موافقة مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، الخميس الماضي، على إنشاء بعثة تحقيق دولية بشأن تداعيات بناء المستوطنات الاسرائيلية.
وفي موضوع الرسالة واللجنة، يتكرر سيناريو أن ضغوطاً أميركية تُمارس لوقف هذه الخطوات، التي لا يوجد لها نتائج عملية متوقعة، وتتكرر فكرة وقف الضرائب والمساعدات. أصبح الأمر أشبه بمسلسل ممل تتكرر حلقاته دون جدوى!
ليس المقصود التقليل من "نجاحات" الدبلوماسية الفلسطينية منذ نهاية أيلول الماضي، ولكن الحقيقة أنّ الأمر أشبه بمحاولة التحليق بجناح واحد، أو التصفيق بكف واحدة؛ فمن جهة ربما تساهم هذه التحركات في عزل معنوي متزايد لإسرائيل، ولكن الدعم الأميركي الشامل، والاكتفاء الأوروبي بمواقف دعائية دون إجراءات ضد إسرائيل، يفرغ هذه الخطوات من معناها.
لقد أصرت القيادة الفلسطينية الحالية، وعلى مدى 20 عاما تقريبا، على المفاوضات، والسؤال: هل سنجرب الدبلوماسية الدولية 20 عاما أخرى؟! وإلى متى يتأخر تجديد القيادة، ويبقى الجميع رهن خلافات "فتح" و"حماس"؟ لماذا لا توجد مقاومة شعبية داعمة للدبلوماسية؟ هل السبب عدم وضع القيادة ثقلها خلف هذا الخيار، أو عدم وجود قرار بشأنه، أو أن الفصائل فقدت ماكنتها الشعبية وفقدت الاتصال مع الشارع؟
لعل من المبرر والمشروع القول إن الدبلوماسية الصرفة دون حراك ميداني داعم، لن تحقق نتائج، لأن الدبلوماسية، كما التفاوض، لا تحقق مكاسب دون أوراق قوة. وبدون ضغط عربي وتحرك شعبي، لا يبدو أن هناك أوراق قوة فلسطينية حقيقية. ويعني هذا أنّ دبلوماسية المنظمات الدولية قد تصبح وجها آخر لدبلوماسية التفاوض. وفي مثل هذه الحالة لا تكون واشنطن، مثلا، مكترثة بتحرك حقيقي لفرض تقدم في الحل السياسي.
ليس بالضرورة أن يكون الحراك المقبل على شكل انتفاضة جديدة شاملة، ولكن ربما أشكال أخرى من نوع حراك شعبي مقاوم في كل فلسطين، يتضمن العصيان المدني وإعادة النظر في علاقة السلطة بإسرائيل، وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، والمضي في المصالحة الوطنية. عدا ذلك، فربما يكون رد الفعل الشعبي انتفاضة ثالثة، أو أنواعا من المقاومة الخارجة عن السيطرة.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ألى أين ؟ ألى من ؟ وعلى من ؟ (انور ابورحمة)

    الثلاثاء 27 آذار / مارس 2012.
    اليأس والاحباط يتسلل الى نفوس الكثيرين ... فالاطر النضالية ( مفاوضات - دبلوماسية - عمل مسلح - مقاومة شعبية -..الخ )منها ما مات ومنها من أجهض ومنها من لن يبعث ...أما الفصائل الفلسطينية فقد اصبح وبكل وضوح أن الاحتلال خارج حساباتها وهمومها .. وقادتها ما زالوا يكذبون ...الربيع العربي بده مين يعينه ....أذن السؤال ألى أين ..وألي من ... وعلى من .. ؟ وشكرا للغد كتابا وقراء ومحررين .
  • »جدية التهديد الفلسطيني! (نورا جبران)

    الثلاثاء 27 آذار / مارس 2012.
    تقف الدبلوماسية الفلسطينية الآن موقف العاجز، تماما كما هو الأمر في العمل الفصائلي الفلسطيني، فقد تحولت جميعا على الصعيد السياسي والثوري إلى دور المتفرج أو الاكتفاء بمجرد الردع ورد الفعل، ربما كانت خطوة الذهاب إلى الأمم المتحدة حقا آخر مبادرة جادة (بعد انقطاع طويل) لاتخاذ إجراء حيال صفاقة إسرائيل ووضع حد لسياسات الاحتلال، ولكن إفراغ المجتمع الدولي لها من محتواها كما جاء في المقال، وعدم اتخاذ المنظمة أو السلطة لأي إجراء حيال ذلك أيضا، حوّلها إلى عجز جديد في تاريخ الدبلوماسية الفلسطينية.
    الوحدة الوطنية والعمل الفلسطيني المشترك ووضع حد للتناحر والتنافس الفصائلي، وتفعيل المنظمة، يمكنه حقا أن يحقق الكثير، وأن يحول هذه التهديدات إلى خطط وخطوات عملية، وتفعيل جميع أشكال المقاومة دون استثناء أي فصيل أو أي فعل مقاوم، يمكن أن يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته بشكل جدي، لأن العالم الذي يسهر على أمن إسرائيل وتجميل صورتها، لن يشعر بالقلق فعلا ويحسب أي حساب للفلسطينيين إلا إذا شعر بجدية الخطاب الفلسطيني، وجدية الخطوات المبنية عليه، وإذا رأى وحدة حقيقية بين الفصائل تشكل بأي معنى خطرا على أمن إسرائيل ووجودها.
    التلويح وتحديد المواعيد والتهديد بما لا يقوى الواقع الفلسطيني على فعله بسبب الترهل السياسي والثوري، لن يزيد إسرائيل إلا غطرسة وتمردا، وما هجمات غزة الأخيرة سوى دليل ذلك؛ لقد اختبرت إسرائيل بهذه الهجمات دول الربيع العربي، وتهديدات عباس وحماس وغيرها الكثير!
    أعتقد أن مواصلة نداء الفصائل إلى إنهاء الانقسام، ومواصلة الدعوة إلى تفعيل المنظمة، وغيرها من الدعوات لم تعد سوى ضربا من فعل السياسيين الفلسطينيين والفصائل، في إضاعة الوقت بضرب المواعيد وإطلاق الوعود.
    العمل الحقيقي والذي آن أوانه فعلا هو إلقاء هذه الدبلوماسيات والفصائل إلى الأماكن التي تليق بها، وخلق بدائل من جهود الفلسطينيين المجتهدين والمتجردين المتناثرة هنا وهناك، والتوجه للفعل المقاوم بكل أشكاله، الخارج منه عن السيطرة والداخل في نطاقها.