هرم الأولويات مقلوب!

تم نشره في الثلاثاء 27 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

من المؤسف فعلا أن تتحرك مؤسسات دستورية وفق نسق المقايضة، فلا يمر رفع اسعار المشتقات النفطية وما يجلب من تداعيات كارثية على الشعب الا من خلال زيادة رواتب ممثلي الشعب الذين سيقرون الرفع، ولا يمر قانون الانتخاب الذي يحتاجه مسار الاصلاح الا بعد الحصول على امتيازات ذات صلة بالتقاعد وما بعده لا سيما جواز السفر الدبلوماسي مدى الحياة.
بالكاد استطاعت الحكومة أن تكمل جزءا من هيكلة هدفها تحقيق العدالة كما يقول مسؤولون كثر، وتلك الهيكلة لم تقنع كثيرا من الموظفين الذي لا يجدون في زيادة بضعة دنانير على رواتبهم حلا لمشاكل متراكمة ومعقدة، كما أن موظفين آخرين في مؤسسات عامة شعروا بأن الهيكلة أتت على امتيازاتهم وأن الظلم حاق بهم بعد أن فقدوا امتيازات تراكمت على امتداد سنوات خلت، في ظل هذه الاجواء يسعى نواب لتمرير مقايضة الامتيازات الآنفة وكأن ما يحدث حولهم لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد.
من الذي يحتاج الى الرعاية فعلا الوزراء والأعيان والنواب السابقون والحاليون أم فئات عديدة من المهمشين والفقراء الذي يفيقون يوميا على تحديات لا تبدأ برغيف الخبز ولا تنتهي بتأمين رسوم التعليم للابناء في الجامعات؟ ولماذا هذا الاصرار على استنزاف موارد الدولة في الوقت الذي تعاني فيه الخزينة من عجز مرعب وتتكشف للرأي العام يوما بعد يوم شبهات فساد أبطالها ساسة ومسؤولون أساؤوا استخدام السلطة عندما تسنموا مواقع المسؤولية؟
ولتذكير السادة النواب، فإن مديونية الاردن ارتفعت اواخر العام المنصرم إلى 13.4 مليار دينار أو ما يشكل أكثر من 64 % من الناتج المحلي الاجمالي، وبهذه النسبة فإننا نكون قد تجاوزنا سقف المديونية المسموح به وفق قانون الدين العام والبالغ 60 % من الناتج المحلي، كما أن التوقعات تشير إلى أن المديونية مرشحة للارتفاع  لما يفوق 15 مليار دينار وبنسبة تتخطى 67 % من الناتج المحلي الاجمالي، فالى أين يذهب الساسة المشرعون باقتصاد الدولة والمفروض انهم الاكثر معرفة بما يتهدده إنْ على صعيد المديونية أو من خلال تهديدات أخرى عديدة؟.
قبل الربيع العربي كانت الانتقادات توجه للاقتصاد الاردني من الداخل والخارج باعتبار أن منسوب إنفاق الدولة عال ويعطل نماء وازدهار الاقتصاد، وبعد انطلاق الربيع تزايدت الانتقادات حيال ما يقدم للمسؤول على حساب الشعب الذي يئن، ومن المؤسف حقا أن تأتي النتائج على شكل امتيازات ورواتب تقاعدية وجوازات سفر دبلوماسية مدى الحياة لكبار المسؤولين، واذا كانت الحكومة تطلق شعارات الضبط والتقشف، فعليها أن تتعامل مع الجميع وفق مسطرة قانونية واحدة بدون محاباة وبدون ان تتسلل اليها المقايضات التي تسهل مرور القوانين التي تريدها لتعبر المرحلة الحالية.
لا يحتاج المسؤولون في بلادنا الى توسيع هوامش الرعاية ولا داعي لمزيد من رصد الفقراء لبيوت الساسة وسياراتهم وأوضاع أبنائهم وأحوالهم التي تنطوي في مجملها على بذخ وترف لا يتناسب وقدرات الدولة التي تعاني من شح مزمن في توفير الطاقة والمياه للسكان.
عندما تمر من أمام أي مدينة أو قرية من الأطراف المهمشة والتي يشعر أبناؤها بالظلم وفشل الدولة ويعلو صوتهم بانتقاد الحكومات المتعاقبة، يلفت الانتباه أن المباني الرسمية مميزة وعلى آخر طرز وآحيانا يكون مبالغا في فخامتها وكلفة الحجر المستخدم فيها، ومثلها السيارات التي تقف أمامها. ولكنك لا تجد مؤسسات او مصانع لتشغيل ابناء تلك المنطقة العاطلين عن العمل في موازاة تلك الفخامة المظهرية.
نحتاج إلى سلم اولويات بوصلته الشعب ورفع الاعباء عن المواطنين، ولا بد أيضا من إعادة بناء مؤسساتنا الدستورية على نحو أكثر عدلا، ونحتاج أكثر إلى انتخابات حقيقية لا تزوير فيها كي يضع الشعب حدا لايقاع "سياسي" أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه عديم الكفاءة.

التعليق