ياسر أبو هلالة

في جنازة البابا شنودة وقلق الأقليات

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

يعكس الاهتمام بجنازة البابا شنودة رغبة جميع المصريين في تبادل التطمينات بعد الثورة. صحيح أن النظام الساقط لعب على أوتار الفتنة الطائفية إلى درجة التورط في تفجير كنيسة القديسين، لكن ذلك لا يلغي إرثا من أزمة الثقة التي بدأت مع ثورة يوليو 1952. فلا شك أن النظام الملكي وأحزابه كانت أكثر تقدمية من الثورة وجماعة الإخوان المسلمين في التعامل مع الأقباط. ولذا، فإن الحزب الأساسي الذي يعد حاضنا للأقباط هو حزب الوفد. أما الحركة الوطنية واليسارية، فقد ظلت نخبوية، وعانت من انحسار لصالح الظاهرة الإسلامية.
ضباط ثورة يوليو، وعلى رأسهم جمال عبدالناصر، جاؤوا من خلفيات فلاحية لا علاقة لها بالعمل السياسي المدني. عبدالناصر وجل الضباط تشكل إطارهم الفكري والسياسي من خلال العلاقة مع الإخوان المسلمين، وهي في النهاية جماعة دينية بتكوينها وتشكيلها تنفي الآخر. وهي لم تبدأ بالعمل حزبا مدنيا إلا بعد ثورة 25 يناير. بالنتيجة، ظل الأقباط منذ ثورة يوليو يشعرون بالتهميش والتمييز، وانحصر حضورهم السياسي على هامش المواقع التي يعينها رئيس الجمهورية. وانعدم –تقريبا– حضورهم في المواقع الأمنية والعسكرية الوسطى والعليا.
مع ثورة 25 يناير ازداد قلق الأقباط، خصوصا مع الحضور الإسلامي، ولاسيما السلفي الذي يخيف حتى المسلمين غير المتدينين. لكن حركية الثورة مكنت الأقباط من التعبير عن مظالمهم ومخاوفهم وقلقهم، بقدر ما أتاحت للأطراف الأخرى التجاوب معها. وفي التعامل مع رحيل البابا شنودة نموذج لرغبة المجتمع في التطور وصولا إلى دولة المواطنة. فالمسلمون في بلدة البابا يفتحون بيوت عزاء، والجميع يشارك بخسارة رمز وطني. وهذا لا يعني حل المشكلة، بل يعطي أملا بقدرة المجتمعات العربية على تجاوز المرض الطائفي.
قدم المسيحيون شهداء في الثورة السورية، ومنهم رجال دين. لكن الموقف العام، وبتأثير من القوى المارونية السياسية في لبنان، شوش الموقف المسيحي عموما. وهو ما دعا المثقف العلماني المسيحي ميشيل كيلو إلى "فتح نقاش أو عقد ندوة حول موضوع وحيد هو سبل إعادة المسيحيين إلى موقعهم الصحيح من الجماعة العربية الإسلامية، وإلى دورهم الثقافي المجتمعي في خدمتها، بعيدا عن أي سلطة غير سلطة الجوامع الإنسانية والمشتركات الروحية والمادية التي تربطهم بها". وقال إنه "في زمن التحول الاستثنائي الذي لا سابقة له في تاريخ العرب، فإن هكذا لقاء يمثل فرصة لامتلاك وبناء الدولة التي تعبر عن حريتها وحضورها في شأن عام عاشت المسيحية فيه وبفضله، لأنه كان مرتبطا بالدولة في مفهومها المجرد والسامي، ومنفصلا عن شأن سلطوي استبدادي الطابع والدور، مما حمى المسيحية من شرور وبطش السلطوية وغرسها بعمق حاضنتها الطبيعية، المستقلة نسبيا عن السلطة والسياسة، بفضل الإسلام وفضائه الإنساني، المتسامح والرحب".
تخطئ الكنيسة كثيرا عندما تحايد أو تهادن في مفصل تاريخي لشعب ينشد الحرية. وفي النهاية، الشعب باق والطاغية إلى زوال. وهذا الموقف بالمناسبة هو موقف "الطبقة الرسمية" من علماء المسلمين السنة كالبوطي وحسون وغيرهما. إن الربيع العربي هو الفرصة الوحيدة التي تتيح بناء مجتمعات على أساس المواطنة، بحيث ينتهي تماما تعبير "الأقلية" بالمعنى الديني أو القومي أو الثقافي، ويقتصر فقط على المعنى السياسي للحزب الذي يخسر الانتخابات. ومصر في وداعها للبابا شنودة تبرهن على قدرة الشعوب العربية على بناء دول طبيعية لا دول طائفية، والمأمول أن يصل الربيع إلى دمشق قريبا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »البابا شنودة (نمر يعقوب)

    الأربعاء 21 آذار / مارس 2012.
    أشارك الكاتب ياسر أبو هلاله الرأي ، الذي هو رأي كل العرب ، مسيحيين ومسلمين ، بأن البابا شنودة رجلا تسجل مواقفه في قلوب الجميع . . .
    ولكني أخالفه حول مسيحيي سوريا ، لأننا مهما كانت نظرتنا للنظام السوري ، لا يمكن أن نتغاضى عما تتمتع الطائفة المسيحية ، من مقام فريد يحسدون عليه ، وأكرربأن لا تحجب عني الرؤيا ، ، فقد كانوا ولا زالوا جزءا من اللحمة الوطنية .