ما العيب في الزعامة التحويلية؟

تم نشره في الأحد 11 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

جوزيف س. ناي*

إن الحملة الرئاسية هذا العام في الولايات المتحدة تتسم بالدعوات التي يطلقها المنافسون الجمهوريون المحتملون للرئيس باراك أوباما والمطالبة بتحويل السياسة الخارجية الأميركية جذريا. والواقع أن الحملات الانتخابية تكون دوماً أكثر تطرفاً من الواقع النهائي، ولكن الدول لابد وأن تتعامل بحذر مع الدعوات المطالبة بالتغيير التحويلي. ذلك أن الأمور لا تنتهي دوماً إلى تحقيق الهدف المنشود.
إن السياسة الخارجية لم تلعب أي دور تقريباً في انتخابات عام 2000 الرئاسية في الولايات المتحدة. وفي عام 2001، بدأ جورج دبليو بوش ولايته الأولى بقدر قليل من الاهتمام بالسياسة الخارجية، ولكنه تبنى أهدافاً تحويلية بعد الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من  أيلول (سبتمبر)2001.
وصفت مجلة الإيكونوميست بوش بأنه "رجل مهووس بفكرة كونه رئيساً تحويليا؛ وليس مجرد مدير للوضع الراهن مثل بِل كلينتون". ولقد امتدحت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس آنذاك الفضائل التي تنطوي عليها "الدبلوماسية التحويلية". ولكن في حين يميل منظرو الزعامة وكتاب المقالات الافتتاحية إلى تصور مفاده أن القائمين على السياسة الخارجية التحويلية أفضل من غيرهم سواء فيما يتصل بأخلاقياتهم أو فعاليتهم، فإن الدلائل لا تدعم هذا الرأي.
إن مهارات الزعامة الأخرى أكثر أهمية من التمييز المعتاد بين الزعماء الساعين إلى التغيير، والزعماء الذين "يديرون الوضع الراهن". ولنتأمل هنا مثال الرئيس جورج بوش الأب الذي لم يلجأ إلى "مسألة الرؤية"، ولكنه بفضل إدارته السليمة وتنفيذه الحكيم للسياسات نجح في التأسيس لواحدة من أكثر أجندات السياسة الخارجية الأميركية نجاحاً على مدى نصف القرن الماضي. ولعل المهندسين الوراثيين يتمكنون ذات يوم من إنتاج زعماء يتمتعون بالرؤية والمهارات الإدارية في نفس الوقت؛ وبالمقارنة بين بوش الأب وبوش الابن  يبدو من الواضح أن الطبيعة لم تحل هذه المشكلة بعد.
إن المشكلة الكبرى في السياسة الخارجية تكمن في تعقيد السياق. فنحن نعيش في عالم من الثقافات المتنوعة، ونعرف أقل القليل عن الهندسة الاجتماعية وكيفية "بناء الأمم". وعندما نعجز عن التيقن من كيفية تحسين العالم الذي نعيش فيه، فإن التعقل يصبح فضيلة بالغة الأهمية، بل إن الرؤى العظيمة قد تشكل خطراً بالغا.
سوف تواجه الولايات المتحدة صعوبات مع ارتفاع موارد القوة لدى جهات أخرى عديدة، دول وجهات فاعلة أخرى لا تنتمي إلى دولة بعينها. وسوف تواجه أيضاً عدداً متزايداً من القضايا التي تتطلب توظيف القوة بالتعاون مع آخرين بقدر ما تتطلب فرض القوة على آخرين من أجل تحقيق النتائج المنشودة للبلاد. إن قدرة أميركا على الحفاظ على التحالفات وخلق شبكات تعاونية سوف تشكل بُعداً بالغ الأهمية لقوتها الصارمة وقوتها الناعمة على السواء.
إن مشكلة الدور الأميركي في القرن الحادي والعشرين لا تكمن في "انحدار"سيئ التوصيف، بل في اكتساب الذكاء في التعامل مع السياق على النحو الذي يجعلها تفهم أنه حتى الدولة الأكبر على مستوى العالم تعجز عن تحقيق أهدافها من دون مساعدة الآخرين. والواقع أن تثقيف عامة الناس وتدريبهم على فهم عصر المعلومات المعقد الذي تحكمه العولمة، والمقومات المطلوبة للعمل بنجاح في سياق هذا العصر، سوف يكون بمثابة المهمة الحقيقية للزعيم التحويلي. وحتى الآن، لم نسمع الكثير في هذا الصدد من المرشحين الجمهوريين.
*مساعد وزير الدفاع الأميركي الأسبق، وأستاذ بجامعة هارفارد، ومؤلف كتاب "مستقبل القوة".
خاص بـالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق