لي بلاد وقلبي بلا بلد!

تم نشره في الأحد 11 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

وطني كبير؛ عشرون دولة وأكثر. لكنها كلها لا تتيح لي سوى الحلم؛ والآن، في نومي الواقف، في شوارعها الضيقة، أحلم بوطن يُعيدُ إليَّ دفتر الإنشاءِ بلا معلِّم مهموم بضبط قواعد الإعراب، وإحكام أضلاع "الثالوث المحرم" على الورقة البيضاء!
سأكتب بلداً يحكمه "عمر خيرت" فترةً رئاسيةً من ولايَة واحدةٍ لأربعَةِ أعوامٍ، وتجري فيه الانتخاباتُ بانتظام، وأقودُ حملة دعائية لصالح المرشح المستقل "عمار الشريعي" ضد "ياسر عبد الرحمن"، المرشح الذي تقول صحف المعارضة إنه مُرتبط بأجندة موسيقية تشدُّ عكسيا إلى زمن "محمد عبد الوهاب"!
أريدُ وطناً من أوطاني شوارعه يرسمها "نجيب محفوظ"، ويدير بنفسه حوارات ناسها على مقاهيها التي ترفض استقبالَ العاطلين، بطراً، عن العمل. ويتدخَّلُ "حنا مينا"، بصفته رئيساً مؤقتاً للوزراء، في كلِّ تفاصيل العباد، ويُبدي دكتاتورية شديدة في تطبيق مواد الدستور التي وضعها "نزار قباني"، ويحتجُّ على بعض فقراته "محمود درويش"!
سيجتهد الشعب في تفسير الأوطان، الكاتب المعارضُ سيقول إنَّ الوطن الذي لا يتسعُ لشاعرٍ تخنقه أزمة مرور، والعاشق الجيِّدُ سيعتقد أنَّ الوطنَ الذي يراقبُ أشواقَ العشاق في العراء تنخره الرطوبة، والعامل سيجزم أنَّ الوطنَ الذي لا يمنحه إجازةً لقراءةِ دستوره سيدخل نفقاً معتما في مشاجرة "كرة قدم"، والمسؤول سيظن أن الوطن الذي لا يحمي مُعارِضَ سياسته اللدود..؛ لن يحميه إنْ أخطاته يوماً "لعبة الكراسي السياسية المتحركة"!
أحلم بوطن يمتنع فيه رقيب السير عن مخالفتي المادية، ويكتفي بإبداء حرص شديد على سلامتي، وبوطن جار يكرَّسُ بثه الفضائي لحوارات أقطاب المعارضة، وفي السهرة يبثُّ فيلماً كان ممنوعاً من العرض، وأغنية مخلصة للتراب فقط، وبوطنٍ آخر شقيق تُصدرُ "وزارة الداخلية" فيه تعميماً صارماً على المواطنين، تحذِّرهم من الاستعمال العبثيِّ للمثل الشعبيِّ البائد:"يا ما في الحبس مظاليم"!
وطني كبيرٌ..؛ لكنه في كثير من الأوطان لا يتيح لي مساحة للحلم، أو للحبِّ الطائش، فكل أوطاننا تعطل دوائرها الرسمية وغير الرسمية في ذكرى الحروب، خاسرة أو منتصرة، وفي عيد الحب هناك دوامٌ رسمي شاق، وغير رسمي أكثر مشقة، وإعلانٌ يدعو الأزواج إلى تنظيم النسل بالمباعدة بين القُبَلْ!
فيا حبيبتي ليست المشكلة أنني أحبُّكِ بصمت..؛ فقد أنفقتُ عمراً من عمري أبحثُ عن جدارٍ نظيف في بلادي أكتبُ عليه اسميْنا، وما وجدته فأنا مواطن ليس لدي وقت لكتابة رسالة عشق..؛ وأعرفُ أنني بذلك أفقد حقا آخرَ من حقوق المواطنة، ففي كلِّ أوطاني الحب نشاهدهُ فقط في مسلسل التاسعة، ولا نكمله لأن جارنا سيضرب زوجته التي حدَّقت كثيراً في ملامح الممثل الوسيم!
لي بلاد وقلبي بلا بلد..؛ ولما رسمته بكامل عدده على حائط البيت لسعتني الأسلاك الشائكة، جربت غناءه وأنشدت بكبرياء قومي:"بلاد العرب أوطاني"..؛ لكنني ما أزال أبحث عن طريق آمنة توصِلني حياً من "الشام" لـ "بغدان"!
أحبُّكَ يا وطني "يا وطن النايات"، وأنجبتُ من حبِّك أبناء كثيرين يحملون اسمكَ، وملامحكَ السمراء، وأودُّ لو أكتبك من جديدٍ في دفتر الإنشاء في الحصة الأولى، أول النهار؛ لكنني قلق من أمر ما..، فحين تغيبُ الشمسُ أين أكتبُ اسم بلادي؟!

nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بحجم قرص الشمس وطني (سهام وريدات)

    الأحد 11 آذار / مارس 2012.
    جميلة الحروف التي تنطق لتغني الوطن ,وترسمة بحجم قرص الشمس,وفي عيني حبيبتي رسمت خارطة لارى فيها وطني.
  • »قلوبنا هي أوطاننا أولا (razan jabr)

    الأحد 11 آذار / مارس 2012.
    لبكائنا الأول دليل خوف من شيئ ما ربما هو انفصالنا عن وطننا الإنساني لنعيش وطننا أكبر مساحة.نحمل معنا هذا الخوف دائما بالاشعور وتبدأ تكبر فينا رحلة الأمان التي نبحث عنها في أرض ما مع رجل - أم - أخوات - أصدقاء- ذكريات -جميعهم يشكلون وطنا واسعا لنا لنبني حولنا مساحة كبيرة من الإنسانية التي تجعلنا نعيش بأمان و بعالم أفلاطوني .
    عندما أبني وطنا في قلبي أعيش فيه على حب الإنسان و احترم إنسانيته تكبر مساحة حريتي في الأرض ليصبح لي وطنا حقيقي أحلامك أحلامنا ربما نجتمع يوما ما بوطن حنون علينا يبدأ من إنسانيتنا أيها النادر
  • »متى يعلنون وفاة العرب (ايهم شاهين)

    الأحد 11 آذار / مارس 2012.
    أنا منذ خمسين عاما .. أحاول رسم بلادٍ .. تسمى مجازا بلاد العرب ..رسمت بلون الشرايين حينا
    وحينا رسمت بلون الغضب. وحين انتهى الرسم، ساءلت نفسي: إذا أعلنوا ذات يومٍ وفاة العرب...
    ففي أي مقبرةٍ يدفنون؟ ومن سوف يبكي عليهم؟ وليس لديهم بناتٌ... وليس لديهم بنون...
    وليس هنالك حزنٌ، وليس هنالك من يحزنون!!

    نزار قباني
  • »مواطن ليس لديه الوقت لكتابة رسالة عشق.... (blanche neige)

    الأحد 11 آذار / مارس 2012.
    يلزمك وردتان ونجمة لتصنع وطناً تبعثرت فيه أضغاث أحلام...سلمت أناملك رائع أستاذ نادر..
  • »معبرة جدا (نجوى حمود)

    الأحد 11 آذار / مارس 2012.
    (فقد أنفقت عمرا من عمري أبحث عن جدار نظيف في بلادي أكتب عليه أسمينا ..) باختصار تألقت يا صديقي، مقالتك معبرة جدا ومتميزة..دمت مبدعا
  • »بلا العرب اوطاني (ندى عبد الرحمن)

    الأحد 11 آذار / مارس 2012.
    راااائعة بالرغم من ان الوطن موجود الا ان نجيب محفوظ ونزار قباني ومحمود درويش قد رحلوا
  • »علمني الب يا وطني (ريم)

    الأحد 11 آذار / مارس 2012.
    اخلق لي وطنا ولك .......... وطنا يعزف ناياتي فرحا ...... ويتيح لنا الحلم خارج حدود الوله .......... وخارج حدود الوطن ....... يلزمني وطن بوسع كل الاوطان ....... وطن يكون بوسع قلبي _الصغير_ عله يكفي حالة العشق التي تجعلني اكتب اسم وطني على الشمس ........... حتى بعد غيابها
  • »يا وطني يا وطن النايات (بلقيس كاظم)

    الأحد 11 آذار / مارس 2012.
    الهمتني ... ساحلم مثلك بوطن ربما سيكتبون على علمه قصيدة غزل لنزار واما النشيد الوطني يكتبه نزار ويغنيه كاظم .رائع كما انت دائما . مقالك ملهم شكرا لك نادر . استمتعت بقراءته واحسست بحيويه لطيفة جدا . اتعلم سابدأ بالايمان بعيد الحب
  • »وقلي انا ايضا بلا بلد (ندى عبد الرحمن)

    الأحد 11 آذار / مارس 2012.
    راااائعة بالرغم من ان الوطن موجود الا ان نجيب محفوظ ونزار قباني ومحمود درويش قد رحلوا