الإصلاح الاقتصادي المنشود

تم نشره في الأحد 11 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

مَرَّ الأردن عبر تاريخه في القرن الأخير بعدد كبير ومتنوع من الدورات الاقتصادية. ففي الثلاثينيات عانى من الكساد كما حصل مع معظم دول العالم في حينه. وقد تعمق ذلك الكساد في بعض السنوات بسبب شح الأمطار والجفاف. ولقد عانى الناس آنذاك آفات الفقر والأمراض السارية بسبب تردي الأحوال معيشياً ومناخياً.
وشهد الأردن خلال العقود الثلاثة التالية هجرات سكانية، وأدت هذه الفترة الى تقلبات في جغرافيا الأردن وتكوينته السكانية. وقد فرضت بعد العام 1967 ضغوطا كبيرة على الاقتصاد الأردني بسبب الحرب وخسارة أرض الضفة الغربية وهجرة الناس الى الضفة الشرقية، وما تلا ذلك من أحداث وتوترات داخلية.
وفي العام 1971 شهد الأردن ضغوطاً تضخمية بسبب تخفيض الدينار في أثر تخفيض الدولار، ولأول مرة عانى الأردن من تضخم أكثر من 10 %. ولكن نجاح الخطة الثلاثية، وارتفاع أسعار النفط أدخلت الأردن في فترة نمو مرتفعة مصحوبة بفترة ارتفاع حادة في معدلات التضخم. وقد قامت الحكومة إبان عقد السبعينيات بإنشاء وزارة التموين، والمؤسسة الاستهلاكية المدنية، ووزارة العمل والخطة الخمسية الأولى. ورفعت أسعار الخبز العام 1978 ما أدى الى احتجاجات شعبية كانت مدفوعة برفع سعر الأعلاف أكثر من رفع أسعار الخبز.
ومع ذلك، فإن كل السياسات المالية والنقدية والتجارية لم تفلح في كبح جماح التضخم حتى العام 1983 عندما بدأت أسعار النفط في التراجع، وشهدت المنطقة استقراراً في الطلب على السلع والخدمات العمالية والإسكان.
ومع ذلك حافظ الأردن على توازنه حتى العام 1986 عندما هوت أسعار النفط، وبدأت العراق ودول الخليج تنوء بأعباء الحرب بين العراق وإيران. ولما أزف العام 1988 بدا الإجهاد واضحاً على الاقتصاد الأردني بسبب ارتفاع المديونية، وتراجع رصيد المملكة من العملات الأجنبية، وتقلص المساعدات العربية والأجنبية. وأدى ذلك كله مرة أخرى الى هبوط الدينار هبوطاً قوياً، وكان العام 1989 عام احتجاجات شعبية، وحكومة جديدة، ومجلس نواب منتخب جديد، ووضع بعد ذلك الميثاق الوطني.
دخل الأردن خلال التسعينيات في فترة صعبة شهدت تحولات في الفكر الاقتصادي نحو الخصخصة، ودعم القطاع الخاص، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وجدار برلين. وهيمن الفكر الرأسمالي وشهد العالم ثورة عارمة في تكنولوجيا الحاسوب والاتصالات.
واستطاع الأردن أن يقف بعدها على قدميه. وكانت السنوات 2004 - 2008 سنوات بناء مكثف، وانتقال كبير لرؤوس الأموال، وتراجع في الدور الحكومي وبخاصة الدور الرقابي. ورغم تحقيق معدلات نمو مرتفعة، إلا أن نسب البطالة والفقر لم تتراجع، وانكمشت الطبقة الوسطى. ولما انجلت الأحداث عن الأزمة العالمية، عانى الأردن الأمرين وما يزال يعاني حتى انفجر الربيع العربي.
هذه التجارب ماذا تعلمنا؟ تعلمنا أن الأردن لم يخطط لنفسه استراتيجياً، بل كان يخطط لنفسه وفق سياسات مالية ونقدية وتجارية ساهمت في مواجهة الدورات الاقتصادية. ولكنها لم تخرج الأردن من حالة الانكشاف الاقتصادي.
وكذلك تعلمنا أنَّ كل أزمة تمر في الأردن تؤكد نقاط الضعف البنيوية، والتي تعود للظهور بشكل يعمق فترة الانكماش أو التباطؤ، ويضع صانع القرار بين المطرقة والسندان. آن الآوان أن نخرج من عقلية إدارة الأزمات الى اعتماد استراتيجية تحل مشاكل الطاقة، والمياه، والعجز التجاري، وعجز الموازنة، والفقر والبطالة، ورفع أداء الإدارة الحكومية، وتحسين المنافسة الاقتصادية للأردن.
بدون وضع برنامج لمدة عشر سنوات لحل هذه المشكلات البنيوية، سنبقى نقع في حفرة، ونخرج منها، على أمل أن نتمكن من التغلب عليها بستار مالي يأتينا من الخارج.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قانون الفزعة (دكتور صلاح الدين محمد ابوالرب)

    الثلاثاء 13 آذار / مارس 2012.
    سيدي ..ان قانون الفزعة في حل المشاكل اصبح هو الطريق الوحيد لحل الكثير من الازمات وقد اثبت فشله .. والازمات الاقتصادية هي دليل على اننا بحاجة لخطط استراتيجية متوسطة وطويلة ..وهذه تحتاج لعقول اقتصادية ومفكرين .. شكرا على مقالاتك المميزة