جهاد المحيسن

ما يدفع باليمين يؤخذ أضعافه بالشمال

تم نشره في الأحد 4 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

الحديث عن الدعم النقدي الذي ستقدمه الحكومة للمواطنين، لن يقدم أو يؤخر في حل الأوضاع الاقتصادية للمواطن، بل على العكس سيزيد من أعبائه الاقتصادية. فكل القطاعات الاقتصادية استشعرت الخطر القادم، وبدأت عملية ردة الفعل برفع الأسعار، ما سيزيد من حجم المعاناة، ويؤدي في الوقت ذاته إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي، وتلاشي ما بقي من طبقة وسطى في المجتمع، والتي تشكل صمام الأمان فيه. وهذا ما حذر منه وزير المالية أمية طوقان في مقابلة له مع "الغد"، حين وصف الوضع الاقتصادي في الأردن بـ"الخطير"، وأن كارثة مالية ستصيب المملكة إذا لم تتخذ خطوات وإجراءات تصحيحية، وحذر من خطورة الاستمرار في سياسات الدعم الحالية، وترك الأغنياء يستفيدون منها على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة، باستهلاك أكبر ودعم أكثر.
لكن لا يوجد حلول سحرية يمكن لها أن تنقذ الوضع. والحلول التي تطرح هي حلول آنية لا يمكن بناء استراتيجيات عليها لوقف التدهور. ومن ضمن الحلول الآنية التي تطرح الدعم المباشر للفئات المتضررة، وهذا حل غير عملي.
وبحسب المعلومات المتوفرة لدي عن حجم الطبقة الوسطى في المجتمع الأردني، والتي تعود إلى أربع سنوات ماضية، فإن هذه الطبقة استحوذت على ما نسبته 37.5 % من إجمالي الدخل في المملكة، وعلى ما نسبته 42.8 % من إجمالي النفقات، فيما شكلت 41.1 % من نسبة سكان المملكة، ما يعني أن هذه النسبة قد انخفضت بالضرورة إلى النصف ربما؛ فنحن نتحدث عن أربع سنوات، مر خلالها العالم بأزمة اقتصادية طاحنة، أصابنا منها ما أصابنا، وهذا يعني تراجع نسبة الطبقة الوسطى بشكل كبير.
وبحسب آخر الدراسات التي تبحث في مفهوم الطبقة الوسطى والتغيرات التي طرأت عليها، تشير هذه الدراسات إلى ولادة طبقة جديدة هي الطبقة المعولمة. ومن الناحية السياسية، فإن الطبقة الوسطى المعولمة ‏تمثل انتقالا سياسيا نوعيا من السلوك السياسي الذي كان يميز الطبقة الوسطى الحديثة، والتي كانت مرتبطة بالمشاريع ‏الوطنية للدولة، وبالنضال السياسي الجماعي من أجل ضمان الارتقاء الاجتماعي، إلى فئة تتكون من مجموعة من ‏الأفراد المنعزلين الذين لا تربطهم روابط التضامن الجماعي، بل ويسعون إلى تحقيق الارتقاء الاجتماعي معتمدين ‏على ذواتهم الفردية، الخالية من كل مشروع وطني، أو مجتمعي أو جماعي. ويتحقق هذا الارتقاء من خلال ‏السعي إلى ضمان القدرة على الاستهلاك، ويتم في ظل افتقاد أي إحساس بالأمان في غياب العمل المضمون، بل ‏وفي ظل الخوف من التقلبات المرتقبة باستمرار.
وعوض الوعي الطبقي أو الوطني، فإن هذه الطبقة الوسطى المعولمة تتميز بفقدان التعلق بالنموذج المتمثل في ‏القدرة الإنسانية الخلاقة التي تتحقق من خلال التنمية الوطنية. وهو ما يؤدي إلى سقوط الرموز النموذجية ‏المرتبطة بالدولة وأيديولوجيات التنمية، والتي تتراجع مع تنامي الاندماج الاقتصادي. وعوض المشاركة ‏والنضال من أجل الدفاع عن المصالح الطبقية المشتركة عبر وسائل الفعل السياسي، يبرز الفرد المستقل عن ‏المشاريع الجماعية؛ الفرد المستقل عن مجتمعه ودولته، الفرد اللامُسيّس.‏
لذلك، فالقصة تستحق إعادة البحث من جديد، وإعادة الاعتبار للطبقة الوسطى غير المعولمة.

[email protected]

التعليق