عيسى الشعيبي

صحفيون يثيرون الإعجاب والحسد!

تم نشره في الجمعة 2 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

لا بد أن كثيراً من الناس في بلادنا العربية قد أدهشهم خبر وجود عدد من الصحفيين الغربيين في حي بابا عمرو داخل مدينة حمص المطوقة بأرتال الدبابات والراجمات الصاروخية ومدفعية الميدان؛ وأن بعضاً من هؤلاء المندهشين بهذه الجسارة الفائقة لصحفية أميركية في أواسط العمر قتلها القصف، قد تساءلوا في سرهم: كيف اخترق هذا النفر من المشتغلين بمهنة المتاعب والمخاطر طوق الحديد والنار والموت الزؤام، وجازفوا هكذا بأرواحهم من أجل كتابة تقرير صحفي من عين المكان، أو التقاط بعض الصور لمشاهد الموت والذعر والدمار؟
وإذا كان هذا هو حال القراء والمشاهدين من الناس العاديين، فكيف إذن كان حال الصحفيين والإعلاميين العرب وهم يرنون بأبصارهم من بعيد إلى حومة الحديد والنار في حمص وغيرها من بلاد الشام، ويشاهدون زملاء لهم في المهنة المميتة يغامرون على هذا النحو المثير للخيال، يُقتل بعضهم، وينال بعضهم الآخر وسام الجدارة والاستحقاق؟!
من المرجح أن عدداً من مجتمع الصحافة والإعلام بيننا قد مسهم شيء من الغيرة والحسد اللذين لا يقللان من حجم الإعجاب بزملاء لهم من بلاد الحريات وراء البحار، وأنهم تهامسوا فيما بينهم لو أن المؤسسات الإعلامية في بلادنا توفر لهم مثل هذه الفرصة، وتمنحهم ما يقتضيه الأمر من تسهيلات لوجستية، وتغطية سياسية، وحصانة أخلاقية، لما تقاعسوا عن أداء الواجب المهني، ولتجشموا الأخطار ونافسوا زملاءهم الغربيين، وذلك على نحو ما شهدت به حروب العراق ولبنان وقطاع غزة، وليبيا مؤخراً، حيث دفع العديد منهم حياته ثمناً للحقيقة.
وأحسب أن بواعث مثل هذه الغيرة في ميدان التنافس الصحفي تجعلها غيرة مبررة تماما ومشروعة بالكامل. فليس ما هو أثمن لدى المراسل المحترف من الفوز بقصب السبق، ومن ثم منح المتلقين قصة إخبارية ساخنة، أو صورة فوتوغرافية ناطقة من قلب الحدث. وليس أكثر مدعاة للاعتزاز بالنفس والدور من إعطاء مهنة الصحافة ما تستحقه من سمعة تليق بها، حيث كلما اشتدت المصاعب وأحاقت الأخطار بالصحفي الميداني، كانت قصته الإخبارية أكثر موثوقية، إن لم تكن شهادة موضوعية يعتد بها من جانب المؤسسات الحقوقية والأمم المتحدة والرأي العام.
وأود في هذا السياق تسجيل نقطة نظام ضد هذه المعالجة، كمن يستدرك قبل أن يكمل الكلام؛ ألا وهي أن قواعد الاشتباك، وأخلاقيات الحرب وأعرافها المرعية لدى سائر الجيوش في عصر الصورة الرقمية، لا محل لها من الإعراب عند كتائب الأسد التي تشن على الإعلام حرباً لا تقل ضراوة عن حربها الوحشية ضد الثوار، الأمر الذي جعلها في حل من كل قيد ضد الصورة على وجه الخصوص، حتى لا نقول إن لديها شهية مفتوحة للقضاء على كل صحفي، وإسكات أي وسيلة إعلام، حتى وإن كان الوضع يتعلق بشاهد عيان، وكانت الوسيلة مجرد هاتف نقال.
إذ إن ما نراه من فظائع وأهوال تقارفها كتائب الأسد ضد النساء والأطفال، وفي أقبية التحقيق المميت، يشير إلى أن النظام الدموي في دمشق ليس لديه أي شيء من أعراف المحاربين وتقاليد أعتى الغزاة؛ ليس فقط ضد المدنيين، وإنما ضد الصحفيين على وجه الخصوص. وهو ما غاب، على ما يبدو، عن أذهان أولئك الصحفيين البواسل حينما قرروا الدخول إلى حمص، واهمين أن لهم حصانة من نوع ما، وأن لمؤسساتهم الإعلامية المرموقة تغطية أخلاقية تحول دون تقصّدهم على هذا النحو المسرف في السادية والعدوانية والاستهتار بحياة الناس.
يبقى هناك استدراك أخير في هذه العجالة، مفاده أن ما هو متاح للمراسلين الغربيين من إمكانات، وما يتمتعون به من حماية سياسية منتزعة بالتضحيات الجسام، ليس متاحا مع الأسف لأي من الصحفيين العرب، ولا حتى لأهم وسائل الإعلام العربية التي كانت ستجد مراسليها في حمص، على سبيل المثال، عرضة لشتى الاتهامات من جانب النظام المتوحش، مطاردين كجواسيس أرسلت بهم هذه العاصمة العربية أو تلك تحت ستار العمل الصحفي ورداء الإعلام، وذلك لقتلهم أو تبرير القبض عليهم، وإظهارهم على شاشة التلفزيون الخشبي يعترفون بالتجسس وتهريب السلاح والمال، ليس لحساب دولهم المتآمرة فحسب، وإنما أيضا لحساب إسرائيل والاستعمار والشياطين!

[email protected]

التعليق