د.أحمد جميل عزم

خضر عدنان وتغيير قواعد "العصابة"

تم نشره في الخميس 23 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

تقول الصحفية الإسرائيلية في "هآرتس" أميرة هاس، إنّ عملية الاعتقال الإداري في سجون الاحتلال تتحول إلى لعبة تخمين، أحد الطرفين فيها معصوب العينين. ولعل الوصف الأدق أنّها لعبة فيها طرف مُقيّد ومعصوب العينين، قد يصفعه الجلاد في أيّ لحظة. وإذ تتساءل هاس، متى بدأ خضر عدنان إضرابه؛ هل عندما هددوه بإيذاء عائلته؟ أم عندما سمع الشتائم لزوجته؟ أم عندما شدّه السجّان من لحيته؟ أم عندما مرر المحقق إصبعه فوق حذائه ثم عبث بشاربي خضر؟ أم عندما منعوه من الصلاة؟ ثم جاء موضوع الاعتقال الإداري ليشكّل سببا آخر للإضراب، فلإضراب خضر وفكّه، معانٍ وطنية وسياسية، ولا يجب أن تأخذنا الحماسة والتعاطف دون فهم دروس ما حصل ومعناه.
من المؤمل أن يحتفل الفلسطينيون بخروج خضر من المعتقل يوم 17 نيسان القادم، والذي يصادف يوم الأسير وذكرى استشهاد عبدالعزيز الرنتيسي؛ وبعد يوم من ذكرى استشهاد خليل الوزير؛ وبعد أسبوع من ذكرى استشهاد كمال ناصر، وكمال عدوان، وأبو يوسف النجار وزوجته في بيروت العام 1973. ولكن هناك مهام مع الاحتفال، لم تُستكمل.
من الناحية الوطنية والنضالية، فإنّ خضر هو ابن "حركة الجهاد الإسلامي"، وهو تنظيم ولد خضر في سنوات تأسيسه، وها هي الحركة تمضي في عقدها الرابع برهاناً على استمرار القضية والمقاومة. وإذا كان هذا التنظيم من أشد المتمسكين بالكفاح المسلح، وربما يكون خضر كذلك، فإنّ الأخير خطّ صفحة ناصعة في المقاومة السلمية والمدنية بصومه عن الكلام والطعام أثناء التحقيق. من ناحية ثانية، قدّم خضر درساً في ترتيبات الإضراب عن الطعام؛ فهو بإضرابه بمفرده حرّك العالم والشارع، ربما أكثر مما حركته إضرابات جماعية عن الطعام. والواقع، وكما أشرتُ في مقالي يوم الجمعة الماضي، فإنّ التجربة الإيرلندية أثبتت أن إضرابات فردية بأسماء مناضلين محددين لديهم الصلابة الكافية للاستمرار إلى النهاية، قد تؤدي إلى نتائج أكثر نجاعة من إضرابات جماعية، يَصعُب الاستمرار فيها كثيرا، ويتوزع التعاطف بشأنها على عدد كبير من المعتقلين، ولا يتحقق من خلالها إبراز أيقونات وأسماء نضالية رمزية محددة، كما حصل مع خضر، إلا في حال استشهادهم.
من جهة أخرى أيضاً، فإنّ ما حصل هو تسوية انتصر بموجبها خضر، من زاوية أنّ لعبة المحقق الطّليق، والمُعتقل المعصوب العينين الذي ينتظر الصفعة، انتهت في حالة خضر. والمقصود بالصفعة التي يتلقاها المعتقل موضوع تجديد الاعتقال بدون إبداء الأسباب، كما يجري عادة، فيقضي المعتقل أيامه قلقا، يتساءل ماذا يفكر الجلاد الإسرائيلي! وما حصل عليه خضر هو تعهد بعدم تجديد الاعتقال. ولكن إسرائيل تفادت بموجب هذا الترتيب انعقاد الجلسة المقررة أول من أمس في المحكمة العليا الإسرائيلية، للنظر في التماس خضر بشأن قانونية تجديد اعتقاله، وهو ما كان يمكن أن يتحول في حال حدوثه (رغم صعوبة تحققه) إلى تشريع قانوني يمنع فكرة التمديد الأعمى للاعتقال الإداري، وربما هز فكرة هذا النوع من الاعتقال ككل.
سجل خضر سابقة بطولية ستجعل الإسرائيليين يترددون وهم يفرضون الاعتقال الإداري، أو تمديده، ولكن هذا لم يوقف أو يمنع هذا الاعتقال رسميا وإلى الأبد.
هناك ثلاثة أمور يجدر فعلها الآن؛ أولها أخذ الدروس من إضراب خضر لتطبق في أي إضرابات جديدة، ومن ذلك فكرة الإضرابات المتدرجة والطوعية وعلى دفعات لأعداد محدودة، تتحول إلى رموز نضالية، وتحافظ على حفز نشاط يومي لمن هم خارج السجن؛ أي أن يصبح هناك أكثر من خضر، بدل أن يُضرب آلاف بصدى لا يزيد كثيرا عما أحدثه خضر. والثاني، أن يُواجَه الاعتقال الإداري باحتجاجات من قبل المعتقلين بوسائل مشابهة، بحيث ينقلب هذا الاعتقال من وسيلة مريحة للسجان الإسرائيلي للاعتقال بدون محاكمة، إلى مدعاة حقيقية للقلق والمتاعب. والثالث، تصعيد الحملة السياسية، والإعلامية، والقانونية، لاستكمال معركة خضر ضد هذا النوع من الاعتقال، مع الأخذ بالاعتبار أنّ هناك معتقلين يطالبون بموقف فلسطيني شامل يرفض أي شرعية للمحاكم الإسرائيلية، ويرفض المثول أمامها، وهذا النوع من القضايا يمكن العمل فيها في إطار عابر للفصائل، أو حتى بعيدا عنها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نصر جديد (رياض عبده)

    الخميس 23 شباط / فبراير 2012.
    خضر عدنان انسان ذو ارادة قوية استطاع بصبره وتحمله مقارعة اسرائيل من جهة وحالة السبات الفلسطيني من جهة اخرى. ادعوا الله ان يفك اسره قريبا وان يكون رمزا جديدا للعصيان الفلسطيني على جميع مظاهر الاحتلال الاسرائيلي . نعم هو انتصار الجوع ... لك كل اشكر سيدتي على هذه الكلمات الرائعة .. نعم نحن شعب فلسطين المنتصر باذن الله
  • »انتصار الجوع .. (نورا جبران)

    الخميس 23 شباط / فبراير 2012.
    انتصار 66 يوما من الجوع لم يعرّ قهر السجان وحده؛ بل عرّى قبله صمت الفصائل وقزّمها أكثر مما قزمتها الخلافات والمواقف العبثية التي باتت تغرق فيها كل يوم أكثر!
    فلسطين تقول كلمتها دائما، وستقول قريبا بأن شعبها وحده القادر على قول الكلمة الفصل واختيار طريقه..
    إذا كان "خضر عدنان" قد قهر بجوعه المحاكم والإرادة الصهيونية فإن فلسطين التي أنجبته تنجب كل يوم مئات الفلسطينيين ويزداد المؤمنون بعدالة قضيتها كل يوم من أحرار العالم .. ويخط رموز المقاومة الشعبية القُدامى والجُدد يوما بعد يوما سطورا جديدة خالدة في نضال الشعب الفلسطيني ومسيرته في مقاومة أحد أعتى وأطول حالات القمع والاحتلال .. يدق الاحتلال مع كل ممارسة قمعية وعنصرية جديدة مسمارا في نعشه، تماما كما يخط كل انتصار جديد لأحرارنا المقاومين سطرا جديدا في سِفر عودتنا