قليل من الحكمة!

تم نشره في السبت 18 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

يعرف الذين يطالبون بـ"مقاطعة البضائع الصينية" في العالم العربي أن مطلبهم غير قابل للتحقق واقعياً، لأن حياتنا اليومية، ستتعطل ويصيبها الخلل إن قررنا استبعاد كل ما كُتب عليه "Made in China" من الاستعمال.
وبرغم دوافعهم الطيّبة، ورغبتهم في اتخاذ خطوة عملية تعلن عدم رضاها عن الموقفين الصيني والروسي اللذين عطّلا إصدار مجلس الأمن الدولي قراراً يدين عنف النظام السوري ضد شعبه، فإن مطلبهم هذا إنما تعوزه الحكمة، لأن الطرف الذي سيتضرر من مقاطعة البضائع الصينية، في الحقيقة، هم نحن العرب، لا الصين.
فقد بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين الدول العربية والصين في العام 2006، نحو 66 مليار دولار، منها نحو 34 ملياراً من الصادرات العربية إلى الصين، مقابل نحو 32 مليار دولار من الصادرات الصينية إلى العالم العربي. وتشير تقديرات إلى أن هذا التبادل بلغ في العام 2011 نحو 190 مليار دولار.
لكن الحجم الأكبر من الصادرات العربية تمثّل دائماً في النفط. ولو تم استثناؤه، لظهر الميزان التجاري بين الطرفين مختلاً، بفعل ما يستورده العالم العربي من الصين من سلع لا حصر لها. ولتوضيح ذلك، علينا ملاحظة أن استهلاك الصين اليومي من النفط بلغ في العام 2008 نحو 8.5 مليون برميل، تم استيراد نصفه تقريباً من الشرق الأوسط. وارتفع الاستهلاك بعد ذلك العام بمعدل 12 % سنوياً، بسبب اعتماد الصين المتزايد على النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية، حيث يتوقع أن يبلغ في العام 2015 نحو 12.8 مليون برميل يومياً، منها 9.4 مليون برميل مستورد، 70 % منها من الشرق الأوسط. هذا ما يفسر اتجاه الصين لبناء علاقات سياسية وتجارية واستثمارية قوية مع الدول العربية المصدّرة للنفط، وبخاصة السعودية التي باتت اعتباراً من العام 2008 المزود الأول للصين بالنفط، وكذلك الدول العربية التي جرت فيها عمليات واسعة لاستكشاف النفط، وبخاصة السودان واليمن.
ونظراً للحجم الكبير لتجارة الصين الخارجية، الذي تجاوز 1500 مليار دولار في العام 2006، ثم 2000 مليار دولار في العام 2007، وارتفع إلى 2970 مليار دولار في العام 2010، فإن حجم التبادل التجاري العربي-الصيني يبدو ضئيلاً، ما يعني أن العالم العربي لا يمثل سوقاً رئيسة بالنسبة للبضائع الصينية، مقارنة بأسواق الولايات المتحدة واليابان ودول الاتحاد الأوروبي، التي تستهلك من المنتجات الصينية أكثر من 25 ضعفاً من إجمالي ما تستهلكه الأسواق العربية.
هذا يعني أن مقاطعتنا للبضائع الصينية لن تضير الصين، وستكون محصلتها اختراع عدو جديد للعرب، لا مصلحة لنا باستعدائه وهو يتمدد ويتزايد حضوره وتأثيره يوماً بعد يوم، اقتصادياً وسياسياً، نضيفه إلى قائمة خصومنا الذين أخلّوا دائماً بالتوازن والعدل العالميين، حتى لو اتخذوا هذه المرة، في مجلس الأمن، موقفاً يوافق موقفنا.
الذي سيضير الصين هو حرمانها من النفط العربي، وهو أمر مناط بالحكومات التي تقرر علاقاتها الخارجية وفق حسابات عديدة. أما الشعوب، فإنها ستدفع ثمن مقاطعة بضائع الصين من جيبها ورفاهها، لأنها ستضطر حينها إلى أن تنفق أثماناً مضاعفة لبضائع مستوردة من دول أخرى، أو ستضطر إلى أن تزهد باقتناء واستعمال مواد وأدوات كانت الصين قد أتاحتها لكل غني وفقير، في هذا العالم الكبير!

[email protected]

التعليق