علاء الدين أبو زينة

بين الخصوصيّة والانفصال.. مساحة حرجة!

تم نشره في الأحد 12 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

إذا سُئلَ معظم سكان العمائر الحجرية في عمّان اليوم عن اسم جار في البناية نفسها، فإنّهم لن يعرفوه غالباً. وإذا ألمّ بأحد عارضٌ طارئ في الليل، فإنه سيستنجد غالباً بأقاربه البعيدين، ولن يغامر بطرق باب جاره. وفي المقابل، نتذكر من طفولتنا في عمّان أنّ ناسها لم يكونوا يترددون في إيقاظ جار ميسور لديه سيارة ليسعف مريضهم في الليل، باعتبار ذلك واجباً لا مراء فيه. ولم يكن الجار يتردد في تقديم الخدمة عن طيب خاطر. وكانت القاعدة السائدة آنذاك، فيما أعتقد، هي أن الدنيا دوّارة؛ فإذا أسعفت جارك اليوم، فإنك ستطمئن إلى نجدته إياكَ غداً، باعتبار أن جارَك القريب أحسنُ من أخيك البعيد.
وفي المناطق التي ما تزال تحتفظ بشيء من البَساطة، ما يزال البعض يهتمون بمعرفة مَن الذي يزور جارهم ولماذا. ويتساءلون بصوت خفيض أو مرتفع عن السبب في وجود سيّارات غريبة أمام دارك. وإذا خُطبت ابنتك، يريدون معرفة الخاطِبَ من أين، وما يعملُ، وهل يسكن مع أهله أم لديه شقة، وكم دخلُه وما أصله وفصله. وفي كثير من الأحيان، يزورك جارك/ أو تزورُكِ جارتك، في أيّ وقت بلا موعد ولا ترتيب. وأحياناً، يستعير الجيران منك المكواة، والثوم أو غرفة ضيوفك. فأيّ النمَطَين أصلح؟
الحقيقة أنّ الموضوع مُحيّر. إنّك ستضيق حتماً بفضول الجيران واقتحامهم خصوصيتك حيث يلزم ولا يلزم، لكنك ستشعر دائماً بالشكّ والتحسُّب لدى جهلك بمجاوريك. وفي العادة، يشكو سكان المدن من ضيق الحيّز والإفراط في تأكيد خصوصيته بالجدران وقلة النوافذ وسماكة الستائر. بل ونسمع حتى عن الغربيين إحساسهم بالعزلة، وهم يعرفون احتمال أن يأتي واحدَهم أجلُه وحيداً فلا يدري به أحدٌ، لأنّ الجيران "ليسوا فضوليين" إلى درجة افتقاده إذا غاب أو العناية بتفقد أحواله. هل العزلة هناك إلى درجة الاستئناس بالكلاب والقطط حاصل لحركة المجتمع ككل، أم أنها اختيار فردي واعٍ منحاز للخصوصيّة؟
ثمّة تأمل مُمتع في هذه المسألة تعرضه قصيدة الشاعر روبرت فروست، "إصلاح الجدار". وتحكي قصيدته عن جدار حجري يفصل أملاك المتكلِم في القصيدة عن أملاك جاره. وفي كل ربيع، يلتقي الجاران ويسيران على طول الجدار ويجريان الإصلاحات معاً. ويرى المتكلم في القصيدة أنه لا داعي لبقاء هذا الجدار أصلاً، ليست هناك أبقار لاحتوائها.. هناك فقط أشجار التفاح والصنوبر. ولا يؤمن هذا الرجل بوجود الجدران لمجرد الجدران، في حين يعتصم جاره بَمثل قديم: "الأسوار الجيدة تصنع جيراناً جيدين". ويبقى صاحبنا غير قانع، ويضغط بدأب على جاره علَّه يَنبذ الحماقة عتيقة الطراز التي تنطوي عليها هذه الفكرة، لكن الجار لا يتزحزح عن رأيه. ويرى المتكلم إلى جاره باعتباره أسير تبرير عفا عليه الزمن، ويعتبره مثالاً حياً على عقلية العصور المظلمة. لكن الجار يكرر ببساطة قوله المأثور.
الحقيقة أن الجدران الحجرية والاسمنتية ليست كل المسألة، وإنّما هناك أنواع لا حصر لها من الحواجز غير المرئيّة التي تنشأ في العالم باطراد، وتضاعف انفصال الفرد عن الآخر. هناك أسوار الدين، والأيديولوجيا، والعِرق، والجندر، والطبقة، والجغرافيا. وفي كثير من الأحيان، يندهش المرء من سماكة وارتفاع الجدران القائمة حتى بين داخله وخارجه القريب، إلى درجة انقطاع التواصل والتعارف بين هذين العالَمين المُتلامسَين. وفي هذا المناخ، يعيش الأفراد في عالم داخلي غير مؤثث سوى بالأسرار والوحدة، بسبب ندرة المقرّبين الثُّقات الذين يُمكن إشراكهم في الشواغل الشخصيّة المُضنية. وأصبح من المألوف أن يجلِس الناس في مكان واحد، بينما يسود المكان إحساس قويّ يصعب عدم التقاطه باصطناعية الودّ الظاهري، وبقوة رغبة الانكفاء والحرص على سرّية المشهد الشخصي وإخفائه عن الآخرين، تَحسُّباً.
في الأساس، يصعب الاعتقاد بأنّ الإنسان يفضل الانفصال على الاتصال، إلا بمقدار المصلحة التي ينطوي عليها أيّ من الخيارين. وفي الأغلب، يدفع الناس إلى الانفصال فشل المشاريع الجماعيّة وتكرار الخيبات. وعند إجهاض هذه المشاريع، ينكفئ المهزوم على مشروعه الخاص وخلاصه الفرديّ. وهنا ترجح فضيلة الجدران، ويسود منطق الشك والمنافسة. ربما تكون هذه هي المساحة الحرجة التي نقطنها الآن، ولا نحبُّها!

[email protected]

التعليق