"النواب" مستباحا وميدانا للتجاذب!

تم نشره في السبت 11 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

وقع 75 نائبا على مذكرة يطالبون فيها بتحويل القضايا المنظورة أمام لجان التحقيق في المجلس إلى هيئة مكافحة الفساد، للنظر والتحقيق فيها، باستثناء القضايا التي يحقق فيها مع وزراء. وبعد أقل من 24 ساعة على الإعلان الرسمي عن المذكرة، وقع 48 نائبا على مذكرة أخرى يسحبون فيها تواقيعهم، ويتراجعون عن طلبهم.
لم توضح مذكرة الـ75 ما هي القضايا التي "لا يحقق فيها مع وزراء"، وأي "فرازة" ستعتمد للكشف المسبق عن عدم تورط وزير في ملفات التحقيق التي تنظرها اللجان. فالحل التلقائي "المضمر" هو إحالة جميع الملفات إلى هيئة مكافحة الفساد، باستثناء ملف "سكن كريم" الذي أحالته الهيئة إلى النواب لوجود شبهة فساد تستوجب التحقيق مع وزراء.
ما الذي يحدث في مجلس النواب؟ ولماذا هذا "التخبط" في إدارة ملفات مكافحة الفساد في "الفضاء النيابي"؟ هذا "الاضطراب" النيابي سببه في تقديري، هو غياب "وحدة الإرادة والعمل" لمكافحة الفساد، ما جعل مجلس النواب مستباحا وميدانا للتجاذب.
لا إدارة جماعية لهذا الملف، ورئاسة المجلس لا تأخذ طرف الحياد؛ بل تمارس دورا فاعلا ومبادرا في إعداد السيناريوهات وإخراجها. ومن المؤسف حقا أن رئيس مجلس النواب عبدالكريم الدغمي، يعمل وحيدا ولا يتشاور سوى مع مجموعة صغيرة من أصدقائه الخلص الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وممن يشاركونه الرؤية والهدف. وهو لم يلتق مع الكتل النيابية أو رؤساء الكتل ولا مرة.. أكرر ولا مرة واحدة، منذ أن تولى رئاسة المجلس. ناهيك عن لقاء الفعاليات النيابية.
غياب "وحدة الإرادة والعمل"، والاندفاعة الفردية لرئيس المجلس للاستحواذ على دور يفيض عن دور الرئاسة بمعناها البرلماني، أوقعا المجلس في حالة تجاذب واضطراب. ففي حالة مذكرة الـ75 "المطعون" في مصداقيتها، جرى تسويق فكرتها فرديا، و"من وراء حجاب". وكان من السهل إحباطها لمجرد أن شعر النواب أن خلف المذكرة أهدافا غير مرغوبة: "فرط" اللجان بهدف "احتواء" ملفاتها؛ وكان للجنة التحقيق في "الفوسفات" ورئيسها الزميل أحمد الشقران، دور كبير في تغيير المزاج النيابي بعد أن كشفوا عن ضغوط نيابية وخارجية لإعاقة عمل اللجنة، وأن هدف مذكرة الـ75 هو رأس لجنة التحقيق "الفوسفاتية".
غياب التنسيق والعمل الجماعي بدد جهد المجلس، وأدى إلى فوضى وسيولة في تشكيل لجان التحقيق، كاد أن يغرق فيها المجلس أو يكاد. لقد كان "وهم" السيطرة على تشكيل اللجان والتحكم بمخرجاتها عند البعض، أقوى وأهم من العمل الجماعي المنسق، وأقلها التشاور وسماع رأي من خارج "العلبة".
لست متأكدا من أن فكرة المذكرة قد أحبطت، لأن "نواتها الصلبة" من النواب لم ينسحبوا، وهم يُظهرون رغبة قوية في مواصلة المشوار.
وتجدر الإشارة هنا إلى "مسرب" آخر يجري اعتماده لاحتواء ملفات الفساد والتحكم بمخرجاتها، وهو مسرب القضاء؛ بحيث يجري التحايل على الحق الدستوري للبرلمان بحرمانه من سلطة التحقيق، بمعنى "حق جميع الأدلة وسماع الشهود". وهذا حق لا يقيده نظام أو قانون، لأن للبرلمان غايات أخرى غير كشف الفساد والاتهام. فللبرلمان سلطة سياسية، فهل يجوز لجمها لأن الملف منظور في القضاء؟ وقد أجمع فقهاء القانون الدستوري بجواز سير التحقيق البرلماني إلى جانب التحقيق القضائي والتحقيق الإداري، لأن للبرلمان "مقاصد غير مقاصد اتهام الوزراء"، كسحب الثقة من وزير أو حكومة مثلا.
في معركة مكافحة الفساد، يُظهر الفساد قوته وحصانته، ويشهر كل أسلحته.

bassam.haddahdin@alghad.jo

التعليق