محمد أبو رمان

الوجه الآخر لـ"العُملة"!

تم نشره في الجمعة 3 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

بدأت نخبة من رجال الأعمال الكبار وشخصيات مؤثرة في القطاع الخاص بالإعداد –جديّاً- لمشروع "بيت خبرة" (Think Tank) لتلمّس حالة القطاع الخاص وسط المناخات السياسية والإعلامية والاجتماعية، والبحث عن وضع مداميك العلاقة السليمة الصحيّة مع الدولة والمجتمع.
الفكرة التي تغطس وراء هذا التوجه تكمن في أنّ السنوات القليلة الماضية شهدت عملية "شيطنة" للقطاع الخاص في الأردن، من خلال وسمه بالجشع والفساد وعدم المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والوطنية، وربما ذهب البعض إلى تحميله المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية الراهنة والمعاناة اليومية للشريحة الاجتماعية العريضة غير القادرة على التكيف مع الضغوط الاقتصادية الحالية.
بالطبع، هذه الدعاية وجدت لها سوقاً إعلامية وشعبية نتيجةً للفساد الناجم عن تزاوج المنصب العام والبزنس حدث خلال السنوات الماضية، وغياب الشفافية والمساءلة في إدارة الملفات الاقتصادية من جهة، وعن حالة الفوضى والتخبط في العلاقة بين هذا القطاع الحيوي والدولة، وعدم وضوح مفهوم المسؤولية الاجتماعية من جهة أخرى.
إلاّ أنّ التعميم القاتل، وخلط الحابل بالنابل، ويدخل في ذلك، أيضاً، مسايرة رجال الدولة لهذا الخطاب الإعلامي، فيه ظلم وقفز عن أهمية القطاع الخاص ودوره والنتائج الإيجابية التي حقّقها خلال السنوات الماضية، وعن نخبة كبيرة من رجال الأعمال والاقتصاديين الناجحين، وعن آلاف فرص العمل التي تمكّن هذا القطاع من توفيرها، وعن طبقة وسطى صاعدة تشكّلت عبر توسع هذا القطاع الحيوي خلال الأعوام الماضية.
جزء كبير من المسؤولية عن هذه "الصورة النمطية" يتحمّلها رجال الأعمال أنفسهم الذين لم يعملوا على تقديم صورة إعلامية صحيحة لهم، ولم يسعوا إلى بناء مفهوم "المسؤولية الاجتماعية" لهذا القطاع، ما يقلب الصورة الدارجة حالياً. إذ بالضرورة، لا يتحمل رجال الأعمال والقطاع الخاص عموماً المسؤولية عن الفساد والأخطاء التي رافقت عملية الخصخصة، فهذه مسؤولية سياسية –حصرياً- تقع على كاهل الحكومات ومؤسسات القرار المعنية، فهي التي رسمت السياسات وفصّلتها، وعن التهرب الضريبي، وعدم القدرة على بناء آليات لتقليصه.
إذن، توجّه رجال الأعمال والاقتصاديين إلى إعادة قراءة المشهد السياسي والتفكير في طبيعة الدور المطلوب منهم، يفتح الباب واسعاً على إعادة تنظيم العلاقة بين القطاع الخاص والدولة والمجتمع، وتحديد خطوط الاشتباك والتماس بين المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والوطنية ومشروعية الربح والاستثمار، التي تساهم –في نهاية اليوم- في دفع عجلة الاقتصاد والتنمية والتطور، وخلق فرص عمل جديدة.
قيمة هذا التوجه الجديد أنّه يسلّط الضوء على الاستثمارات المحلية وما يمكن أن تقوم به من أدوار مختلفة، ويضعنا أمام الوجه الآخر لـ"العملة" أو الصورة المشرقة الإيجابية للقطاع الخاص، في سياق ما يمكن أن نطلق عليه "الليبرالية الناعمة" أو الاجتماعية، إذ أثبتت المرحلة الماضية أنّ الليبرالية المتطرفة تهز الاستقرار الاجتماعي والتوازنات المطلوبة، حتى في ديمقراطيات عريقة، مثل الولايات المتحدة الأميركية، مع صعود حركة "احتلوا وول ستريت".
نحن أمام معادلة جديدة، تتطلب عقداً اجتماعياً مختلفاً يشارك الجميع في صوغه، ويتم فيه توزيع الأدوار. فالدولة اليوم لن تتمكن وحدها من تمويل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، فثمة ضرورة ملحّة أن يقوم القطاع الخاص بالمشاركة في هذه المسؤولية، عبر الأوقاف والتبرعات، كما هي الحال في العالم. والقاعدة التي يجدر برجال الأعمال تذكرها دوماً أنّ استمرار هذا القطاع ونجاحه رهين ليس فقط بقدرته على الربح، بل بتعميم الفائدة وتكبير حجم الكعكة!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعم هذا هو الطريق (اسامه حمدان الحويطات)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    وفقك الله اخ محمد ابو رمان هذا هو الطريق التي تبدأ منها الاصلاح والحل لكثير من مشاكلنا التي ارهقت المواطنين في السنوات الماضيه
    لقد اصبت اخي الحقيقه وادعو الله ان يسدد خطاك وان يوفقك للحق ..... اللهم امين
  • »القطاع الخاص مظلوم (فاتن سلامة)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    لقد عاني ويعاني القطاع الخاص من أربعة مشاكل أساسية: المشكلة الأولى هي أن الدولة مهووسة بالضرائب إلى الحد التي تصبح فيه الدولة أحياناً شريك بما يقرب النصف بالعوائد ولا تتحمل أي نتائج للخسائر، وهذا الأمر رفع التكلفة التشغيلية والانتاجية وأثر سلباً على التنافسية مقارنة بالدول المجاورة (المضحك المبكي أن الدولة تعطي انطباعاً بأن القطاع الخاص مقصر في دعم الدولة وهناك من يروج بطريقة عنصرية بأن شريحة اجتماعية معينة تسيطر عليه). ثانياً، تراجع التعليم وخصوصاً التعليم العالي مما أضعف قدرة القطاع الخاص على اجتذاب عمالة متمكنة وماهرة ويقع على عاتق القطاع الخاص تدريب وتأهيل موظفيه، طبعاً الأردن بلد غير جاذب للعاملة الماهرة بقدر ما هو طارد لها. ثالثاً، الفساد وانتشاره والمحاباة والعلاقات الشخصية في تمرير العطاءات الحكومية، وتراجع قدرة الحكومة على الانفاق على البنية التحتية (بما فيه البنية الأساسية للقضاء المستقل). رابعاً، انكماش الطبقة الوسطى وتراجع القدرة الشرائية للدينار ورأس المال المتراكم عند الناس والمستهلكين، وهذا جعل القطاع الخاص يدور في حلقة ضيقة مرتبطة بالأساسيات (حتى السياحة الداخلية فشلت فشل ذريع في الأردن). تخيل مثلاً كم تحصل الدولة ضرائب من شارع مثل شارع مستشفى الخالدي مما يحتويه من عيادات ومستشفيات ومختبرات ومساكن للمرضى وخدمات أخرى وقارن ذلك ببنيته التحتية فالمراجعين والمرضى يجدون صعوبة كبرى في ايجاد مصفات لسياراتهم والحركة صعبة في الشارع لمن يعاني من مرض أو حتى تنقل سيارة الاسعاف...