محمد برهومة

بين قبعة جيفارا ونظارة غاندي

تم نشره في الجمعة 3 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

سورية اليوم أمام مفترق طرق وأمام خيارات صعبة ومحيّرة بكل تأكيد: هل تنحاز لرائحة الملح وتتبنى نهج غاندي، أم أنّ دموية النظام تدفعها بشكل إجباري للانحياز لجيفارا ورائحة البارود؟ الواضح أنه برغم استمرار المظاهرات السلمية، فإن عمليات التسليح والعسكرة ودور "الجيش السوري الحر" تلعب دورا أساسيا في مواجهة بطش النظام، وكأننا أمام الحالة اليمنية جزئيا، حيث إن سلمية المظاهرات في عمومها هناك ما كان لها أنْ تتم لولا الفرقة الأولى ومعها الوحدات العسكرية المؤيدة للثورة اليمنية.
العارفون في الشأن السوريّ يقولون إنه برغم التديّن العام في سورية، فإنها اليوم لا تتوافر على تربة مناسبة للتطرف الديني، ولا توفّر حاضنة اجتماعية للسلفية الجهادية أو "القاعدة". والحقيقة أن هذا خاضع للاختبار للتأكد من دقته، خصوصاً وأننا نرى كيف دفع فائض العنف الدموي والبطش الأرعن الذي يمارسه النظام ضد شعبه إلى أن تنتقل الانتفاضة السورية من "سلمية.. سلمية" إلى حمل السلاح وعسكرة الثورة. وأحد الأسئلة الكبيرة اليوم: هل هذا يصب في مصلحة السوريين ومستقبل بلدهم، وفي مصلحة ثورتهم الباسلة وصمودهم المدهش؟
لم يكن أمام المتظاهرين السوريين، أو بعضهم على الأقل، من خيار للدفاع عن حقهم في الحياة والكرامة والحرية سوى حمل السلاح في وجه نظام لا يردعه أي شيء عن ممارسة الفظائع بحق المواطنين العزل والمتظاهرين المدنيين. وقد مرت أشهر من المظاهرات المدنية والمواجهة بصدور عارية، لكنّ النظام استمر في "لعبة الحل الأمني" واعتبار المتظاهرين "إرهابيين" ومنفذي مؤامرات خارجية! واليوم، نجد أنّ الكثير من المظاهرات السلمية في أنحاء المدن والبلدات السورية ليس بمقدورها أن تتم لولا حماية "الجيش السوري الحر". والمنشقون عن الجيش النظامي، والرافضون لإطلاق النار على أبناء شعبهم، يجدون في "الجيش السوري الحر" سياقا يوظّف جهودهم وخبراتهم. وبرغم الكفة غير المتوازنة بين الجيش النظامي و"الجيش السوري الحر"، فإنّ الأخير استطاع بدرجة ما أن يشكّل عامل ردع للنظام في بعض المناطق، كما أنه تمكّن نسبيا من توفير مناطق آمنة لإدارة شؤون الثورة وتنظيم حراك الناس وحماية حركتهم قدر المستطاع.
المنادون بعدم الانجرار إلى استخدام السلاح والإبقاء على سلمية الثورة، برغم إدراك الأكلاف المأساوية لذلك، يقدّرون أنّ العسكرة والتسليح لا بدّ، برغم وجاهة من يمارسها في الحالة السورية، من أن تترك مخاطر أساسية وطويلة الأمد على الحياة العامة والعمل العام وثقافة المجتمع. والتجربة الليبية الأخيرة، ومن قبلها التجربة العراقية وكذا اللبنانية، تظهر لنا مدى صعوبة انصياع المسلحين للنظام والقانون إلا بالقوة والعنف المتبادل أحيانا، وأنّ ذلك كله يسحب من رصيد المواطنين في الاستقرار الأمني وفرصة بلدهم في التعافي الاقتصادي بسرعة عقب انتهاء الثورة أو إسقاط النظام، لأنه "لا عدالة بدون أمن". والتسليح في الحالة السورية هو مظنّة تغذية للاستقطاب والاصطفاف الطائفي والمذهبي والاقتتال الأهلي. والتوغل في التسليح، على الأغلب، سيقع في منزلق إقامة علاقة مماهاة بين النظام والطائفة العلوية، والحكمة المؤكدة في إدراك الحدّ الفاصل بينهما. ولقد أثبتت التجارب في منطقتنا أنّ المسلحين لا يعودون إلى بيوتهم بسرعة بمجرد انتهاء القتال، وكل هذا يمنح مزيدا من الوقود لتجزئة النسيج الاجتماعي، ويجعل بناء هوية وطنية جامعة، لا تقوم الديمقراطيات بدونها، أمرا صعبا ومعقدا ويتطلب سنوات عديدة.
السوريون سينالون حريتهم وكرامتهم مهما كانت قسوة الجلاد، وهم بالفعل، في ظل التردد الدولي، أمام خيارات أحلاها مرّ، فالحرية تكتسب ولا تعطى، لكن كلّما تمكنتْ الثورات من إصلاح الأنظمة أو تغييرها بأقل الخسائر كان ذلك رصيدا إضافيا لنجاحها ونموذجيتها وجاذبيتها.. إنها المعادلة الصعبة.

[email protected]

التعليق