علاء الدين أبو زينة

مشكلة "الإبداع بالإمكان"!

تم نشره في الأربعاء 1 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

لعل من أهمّ الفروقات بين الأمم المتقدمة والمتخلفة، هو أن الأولى بارعة في التنقيب عن كل طاقة ممكنة لدى مواطنيها واستثمارها بكل جديّة، بينما تهدر الثانية معظم هذه الطاقات. وبغض النظر عن الغنى بالموارد الطبيعية أو العوز إليها، فإن العامل البشري يظل الفيصل، لأنه هو الذي يكتشف ويطور ويجعل للرصيد المادي معنى. وفي هذا الصدد، تصنّف دولنا العربية في منظومة التخلف والتبعية، حتى الغنيّة منها بالموارد، بسبب تحييد قدر هائل من إمكانات مواطنيها جراء الإهمال ومبدأ العمل "على البَركة". وفي المقابل، تعوض أمم أخرى بُخل الطبيعة بوصفة هائلة للتقدّم: البحثُ في كلّ شخص عن موطن تميُّزه وإطلاق موهبته وتطويرها بطريقة منهجية ليُبدع ويبتكر.
ما يَحصلُ لدينا هو العكس تقريباً. ويمكن تلخيص وضعنا بعبارة مؤسفة: هذه الأمة مثل القطة التي تأكل المبدعين من أبنائها. هنا، قلّما يحصل أحدٌ على فرصة عناية أحد باكتشاف مَلَكاته وتنميتها له ولصالح المجتمع ككل. أما الذين يحقّقون شيئاً من إمكاناتهم الإبداعية، فإنهم إما من المحظوظين أو المعجونين بالمثابرة والإصرار، والحصيلة العامة هي أنّ ما يسقط من الحَبّ على الطريق أكثر بكثير مما يصل إلى الخوابي. وكثيراً ما نفكّر لدى فوز عالِمٍ عربيّ بجائزة نوبل للعلوم مثلاً: هل كُنّا لنسمع به أصلاً لو أنه اشتغل في بلده العربيّ ولم يُهاجر إلى الخارج؟ ولماذا يبرَعُ وينجح عرب مهاجرون يكونون أقلّ مِن عاديين هنا، وهاجروا نتيجة إحساس بندرة الفرصة في أوطانهم؟ وكيف لَم يُكتشف بين 339 مليون عربي لاعب كرة قدم مبدع واحد؛ إلا إذا كان يحمل جنسية غير عربية كشرط ضروري؟
نفكّر في ذلك ونحنُ نفكرّ لبلدنا ومستقبل أبنائنا، وفي البال أحوال الأردن وإمكاناته الماديّة المتواضعة. وفي السّياق، لا بد أنّ يتذكر الكثيرون مِنّا أناساً صادفوهم من المُبدعين في شتّى الميادين، والذين يمرّون على هامش المشهد بدون أنْ يحسّ بهم أو ينتبه إليهم أحد. وقدْ يعرف الكثيرون منّا في أنفسهم أيضاً ميولاً وإمكانات قضت الظروف بإعدامها، وخلفت في نفوسهم حسرة وخسارة. وأعتقد أنّ مئات، وربّما آلاف الفنّانين لدينا، عاشوا وماتوا "مبدعين بالإمكان" بدون أن تمسك أيديهم فرشاة رسم؛ ومثلهم من الموسيقيين الذين ظلت موسيقاهم تتردد في رؤوسهم بدون أن يحتضنوا في حياتهم آلة موسيقية؛ وكذلك الحال مع عباقرة "مبدعين بالإمكان" في الآداب والعلوم وكلّ ما يضيف إلى حضارة الأمم وثروتها المادية.
لعل من أجدى الأشياء لبلد مثل الأردن، محروم من الموارد الطبيعية ومحظوظ بنوعيّة إنسانه، أنْ يفكّر بشكل استراتيجي في هذه المسألة بالتحديد: البحث في المدارس الابتدائية عن مواطن التميّز في الأبناء، وتوفير ما يلزم لمتابعة تطوّر امتلاك الطفل أقصى المهارة فيما يبرع فيه بشكل منهجي. ولا شكّ أن إنشاء ملفّ كهذا للمواطنين منذ طفولتهم، يُتابع بجديّة وعلى أساس مؤسسي توجيه طاقاتهم، هو أجدى بكثير من فتح ملفّ أمنيّ وما شابه. ولا مُبرّر لأن يقال لأحد إنّ من السهل معرفة فيمَ يفكّر وكيف ينشط، سياسياً، ولا يُقال له إنّنا نعرف أينَ يمكن أن يُبدع ويبرع، وإننا سنساعده في تحقيق ذاته لصالح إقامة مجتمع غنيّ بالتميز.
قَد يبدو هذا الطّرح ترفاً أمام عقلٍ متعجل وغير معتاد على التخطيط طويل الأمد. لكنّ البديل هو البقاء في نفس الدائرة الشرسة. وفي الحقيقة، ليس لدينا في الأردن ما يعوضنا عن الإمكانات الإبداعية التي تُهدر، والتي يشتريها غيرنا ويستوردها من الخارج بالنقود. بل إنّنا معنيّون بالتنقيب عن هذه الثروات في أبنائنا وتنميتها وتصديرها، بعد إغناء وبناء الداخل. وعلى سبيل المثال، يدر عباقرة البرمجيات واكتشاف الأمراض والعقاقير، بل الفنانون والأكاديميون المحترفون، دخولاً لا تقل عن عوائد النفط.
في هذا الجهد غير المكلف والمجدي حتماً، يجب أن يعمل عقل "صيّاد مواهب" قوامه الأسرة، والمدرسة، والمجتمع والدولة، على تعقب بذور الإبداع، والإبلاغ عنها لجهة تتابع. وينبغي تبني آليات للكشف المبكر عن الإبداع الممكن في أطفالنا، وخلق نظام تعليمي منهجي يوجه كلاً ويؤهله فيما يبرع. يجب الإفراج عن إبداع الأردن من منطقة "الإمكان."

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الطلاب الموهوبون وكيف علاجهم (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الأربعاء 1 شباط / فبراير 2012.
    صدق او لا تصدق..تخرجت من جامعة شرقي ميتشيجن ، من الجامعات العربقة بالتربية والتعليم بماجستير تربية وتعليم مع علم نفس عام 1963..وكانت اطروحتي الطلاب الموهوبون GIFTED CHILDREN ..تتلخص بأن يعطى خريجون الاعدادي مساق خاص لمعرفة استيعابهم الذكائي .
    INTELLIGENT QUOTION وهؤلاء الذين يحصلون ما بين 90-110 ان يضعون في مدارس خاصة .والذين يسجلون ما بين 110-130 في مدارس خاصة .وهؤلاء الذين يسجلون ما فوق 130-150 فهؤلاء هم العباقرة الذي يجب وضعهم في مدارس خاصة وتحهيزهم يأفضل الأستاذة والمعلمات وأن نبني أحسن المختبرات ، ونشيد افخم المكاتب المدرسية .واذا اعتنينا بهؤلاء التلاميذ فسيتخرج من جامعاتنا العباقرة والمخترعين والمؤلفين ..فالذي يحصل بصفوفنا أن كل صف يحتوي على طلاب تتراوح نسب دكائهم من 90-150 فالأستاذ سيهمل الكسالى والطلاب المتفوقين ، ويهنم فقط بالوسط ..فبنظريتي أنا أجعل الطلبة يتنافسون غي مستواهم الذكائي .وهنا أنا مضطر لتسهيل المواد لطلاب 90-110 ..يجب تقسيم المدارس الثانوية حسب النسب المذكورة ...أما هؤلاء الذين لا يحصلون على نسبة 90 أن نحولهم كلهم الى التعليم المهني ..وعندما عدت للاردن وقدمت مشروعي الى وزبر التربية والتعليم فأجاب بالحرف الواحد [انه اذا صدف أم من نساء المجتمع الراقي سألوها أين يذهب ابنها ، وأخبرتهم عن اسم المدرسة ، وتبين انها لذوي 90 وأقل فبعيروها الموجودين بان ابنها في مدرسة الطبولة ,,ةهكذا ضاع المشروع ، ولكت نفذته دولة السودان ، اذ طلبوا مني انذاك ان اعمل في دار المعلمين ..فارتأيت أن ابقى في بلدي الحبيب الأردن