وهم تفكيك الدولة

تم نشره في الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

تأخذ بعض المصطلحات معنى مطلقا من كثرة تردادها وتكرارها بدون الحديث عن مضمونها الحقيقي.
 أحد هذه المصطلحات ما يشاع عن أن برنامج الإصلاح الاقتصادي قد ساهم بتفكيك الدولة، والتفكيك المقصود به إضعاف دور الدولة المركزي لصالح هيئات ومؤسسات جديدة تتخذ قراراتها بعيدا عن المركز.
فهل هذا صحيح في الحالة الاردنية؟، وهل جرى على مدى العقدين الماضيين انتزاع صلاحيات الحكومة المركزية لصالح الأطراف أو لصالح هيئات جديدة؟.
 فكما نعلم أن فصل موظف من الخدمة المدنية ما يزال يحتاج الى موافقة رئاسة الوزراء، وما يزال سفر الوزير أو أمينه العام يحتاج الى موافقات من هذا النوع.
ما جرى على مدى الأعوام الماضية هو بعض البرامج التي كانت تنفذ بعيدا عن قرارات الحكومة المركزية، وهي ما يحتاج الى مراجعة، ونعتقد أن هذه البرامج انتهت الآن، وإن وجدت فهي برامج ممولة من خارج الخزينة تأتي على شكل مساعدات، والتحكم بشروطها هو محل تفاوض بين الحكومة الأردنية والمانحين، وفي العادة للحكومة حق الرفض أو القبول بشروط تلك المساعدات.
وعلى صعيد حجم القطاع العام والإنفاق العام كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي تعتبر النسبة في الاردن والتي تقترب من 40 % من أعلى النسب في العالم، اي أن وهم تخفيض حجم القطاع العام لصالح الخاص لم يتحقق، كذلك فإن نسب التشغيل في القطاع العام ما تزال مرتفعة بكافة المقاييس لدولة غير نفطية مثل الاردن، يماثلها ارتفاع كبير في نفقات الدفاع والأمن، إذ تشير كل المؤشرات الى أن "الدولة" لم يصغر حجمها، فما معنى الحديث عن "فكفكة" القطاع العام؟!.
المسألة تتعلق بالدرجة الأولى بموضوع تخصيص بعض المؤسسات المملوكة للدولة، والطريقة الخاطئة أحيانا في تحصيل حقوق الدولة سواء في بيع بعض الاصول، أو في بيع حقوق امتيازات حصرية ورخص، ويمكن التعامل معها وتلافي الأخطاء التي ارتكبت فيها، الثانية تتعلق بالضعف والتراجع في نوعية الخدمات التي تقدمها بعض المؤسسات، كالتعليم والصحة، فهي كنسبة من الإنفاق العام تماثل نسبة الإنفاق في الدول الغنية؛ إذ تصل تلك النسبة من الانفاق العام حوالي 20 %.
تدني نسبة الإنفاق ونوعية الخدمات وبروز بعض المؤسسات الموازية التي تقدم خدمات بديلة قاد الى الانطباع بأن هناك تخفيضا في حجم القطاع العام وتخليه عن دوره الاجتماعي، يترافق ذلك مع زيادة في الطلب على تلك الخدمات والعجز عن تطوير قطاعات انتاجية تستوعب العمالة التي تنتظر على أبواب القطاع العام.
وبدلا من التركيز على الاسباب التي من شأنها تحسين نوعية الخدمات المقدمة، وفرض المزيد من الرقابة على الانفاق العام وتحسين شفافيته، يركز البعض على استعادة دور القطاع العام المفقود.
قبل الحديث عن الأوهام دعونا نفكر كيف يمكن الحد من الهدر الذي يصل الى 20 % من نسبة الانفاق العام، كما ذكر وزير المالية الحالي، قبل التباكي على القطاع العام الذي تتراجع نوعية خدماته رغم أن سلطة القرار المركزي لم تتغير.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سياسات التصحيح والقوة الاقتصادية في الدول العربية (عصام كامل)

    الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2012.
    أعتقد بأن دور برامج التصحيح الاقتصادي والاصلاح الهيكلي في تحقيق القوةو والمنعة الاقتصادية للدول العربية هو موضوع مهم للمراجعة وجني الدروس المستفادة. وللموضوع العديد من الأبعاد التي لم تغطى بشكل مرض ضمن المقال، ربما بسبب ضيق المساحة. فمن المعروف ان هذه البرامج جاءت في سياق تمجيد العولمة الاقتصادية، ومن المتفق عليه ان العولمة يمكن بسهولة ان تقلل من السيطرة الاقتصادية للدولة القطرية بسبب سياسات التحرير الاقتصادي وازالة القيود التنظيمية والتخاصية، مما يفقد الدولة العديد من ادوات السياسة الاقتصادية المباشرة (كالحماية الجمركية وسياسة التموين) ويبرز الحاجة الى أدوات تدخل بديلة وفعالة وغير مباشرة (كالسياسة الصناعية وسياسة المنافسة) لم تكن متاحة بالفعالية المطلوبة وفي الوقت المناسب في معظم الدول العربية.هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى فان المؤسسات الاقتصادية الدولية بدأت تعترف بأن السياسات الاقتصادية والمالية المتبعة لم تكن تعر بالقدر الكافي الكيفية التي توزع بها ثمار النمو الاقتصادي، مما أثر سلبياً على المستوى المعيشي لذوي الدخل المحدود أو المتوسط أو المفقود.