عن ماذا يكتب الأغنياء.. إذا؟!

تم نشره في السبت 28 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

يعيش الكُتّاب على استثمار فقرهم؛ الذي لطالما بكوا منه، ولعنوه.
فيصير البيت الفقير البارد مادةً خصبةً لرواية، ويصير الأشقاء الصغار المزعجون أبطالاً، بل حتى إن زوجة الأب قد تصبح لاحقاً بطلة مهمة في فيلم يحصلُ على جوائز عالمية!
هكذا تصير طفولتنا مجازاً لغوياً، بعد أن كانت واقعاً وحقيقةً مفزعة، ويصير السقف الهزيل الذي لم يكن يحمينا من ماء الشتاء، أو الوحل الذي نغوص فيه لنصل المدرسة بقدمين تحملان مثل وزنهما طيناً، مادة شهيةً للكتابة، نستحضرها ونحن نجلس على كنبةٍ مريحةٍ في بيت جيد التهوية والإضاءة، بعد عقدين أو ثلاثة غسلنا فيهما أقدامنا من الطين جيداً. لكننا لم ننسه تماماً.
وتبرز هنا النظرية التقليدية التي لم أقتنع بها مرّة؛ والتي تعتبر المعاناة ضرورية للابداع (بل إن البعض ذهب أبعد من ذلك واعتبرها ضرورية للانتماء الوطني!).
وفي رأيي أن المعاناة مثل الرفاه كلتاهما تصلحان مادة خصبة للإبداع إن كان الشخص موهوباً، وكلتاهما لا تفيدانه بشيء إن كان غير معنيّ بذلك، فالفقير ليس مبدعاً بالضرورة لأنه فقير، كما حاول البعض أن يصوّره، والفقير - كذلك - ليس شخصا نبيلاً وطهرانياً، دائماً، كما أقنعتنا الأفلام التي صوّرت دائماً الثري على نحوٍ أبله وشرّير!
لا أريد أن أتورط هنا في الدفاع عن الأثرياء؛ فتلك تهمةٌ كبرى من وجهة نظر النقد، تعادل أحياناً الدفاع عن الأنظمة!
ولستُ بصدد أن أشي بالفقراء، أو أسرّب شيئاً من أسرارهم التي اؤتمنت عليها، أو أن أخونهم ولو حتى ليومٍ واحد، لكنني بدأت أنتبه أننا وقعنا في صبانا ضحايا تقسيمات حادّة وغير عادلة؛ ولا تقبل النقاش حين صدّقنا أن الحياة تنقسم مثل القمر أو مثل البطيخة الى نصفين: أبيض جداً وأسود تماماً!
فالفقير كان دائماً من وجهة نظر من لقنونا الحياة بريئا وذكيا وخلّاقا وشهما ومستعدا للموت من أجل فكرته، أما الغنيّ فبليد وأشقر ومتكرش ولا يحب محمود درويش!
لذلك كان الفقير يستمرئ قراءة الأدب الذي يمجده، والأفلام التي تجعل حارس الكراج ينتصر على تاجر السيارات، والبطلة تهجر زوجها رجل الأعمال لتتزوج الفقير القادم من الصعيد لمجرد أنه مهموم قليلاً!
الأدب الذي أقنعه أنه يحب بلاده أكثر بالضرورة، من الغني، وأن الشهداء دائماً أبناء أقاربه وعمومته من العائلات الريفية المعدمة، في حين أن الجواسيس هم في الغالب أبناء عائلات غنية، ومدنية.
ربما آن الأوان لنعيد ترسيم الحدود الطبقية بشكل عامودي وليس أفقياً دائماً، فصناعة الإبداع ليست بالضرورة ناجمة عن جوع، والفقر ليس عاراً لكنه أيضاً ليس موهبة تستحق الدفاع عنها، وليس مطلوباً من الغني دائماً أن يدفع أخلاقياً فاتورة فقر الفقير، والفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي والكتابة والأدب والموسيقا والمسرح و..، لا علاقة لها دائماً بمقدار الدخل، فكثيراً ما قرأنا أدباً مهمّاً لادباء أثرياء ومترفين، وكثيراً ما تعثرنا بفن سيئ تذرع بفقر صاحبه ليحظى بالمديح ! تماماً مثل أكوام هائلة من الشعر الرديء التي كتبها شعراء سيئون في مديح "فلسطين المحتلة"، وكان علينا دائماً أن نخشى انتقادها أو حتى التلميح لأخطائها الاملائية!!

ملاحظة:
أرغب في استغلال السطر الأخير من زاويتي هذه لدعوتكم لحضور أمسيتي عند السادسة من مساء اليوم السبت، في المتحف الوطني للفنون الجميلة، في اللويبدة.

ibrahim.gaber@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابداااااع (عمر الجراح)

    السبت 28 كانون الثاني / يناير 2012.
    تحياتي لك استاذ ايراهيم
    ابدعت كعادتك
    و ازعم ان العدالة ان غابت غاب كل شئ... غاب حب الوطن و الانتماء و غاب التقييم الصحيح لأي عمل ادبي... نعم نفرح كثيرا لسائق العائلة الثرية و لبواب العمارة حين ينتهي الفيلم او الرواية بزواجه من الابنة المنعمة او المطلقة الغنية (غالبا صفية العمري) التي تسكن الطابق الثالث... نفرح و يشدنا الفيلم الهندي عندما ينتقم ابن الفقير من الاقطاعي!!! بل و يتزوج ابنته... لكننا و بعد قراءة الخاتمة او اسدال الستار و ذهاب نشوة الفرح.. ندرك اننا كنا خارج الزمن!!! فليكن المبدع ثريا ابلها او الفقير غبيا ليست هذه المشكلة.. و اننا اذ ندعو للتخلص من ارث التقسيم -تقسيم الابداع و تناسبه عكسيا مع الحالة المادية- فلا بد ان ندعو الى العدالة .. العدالة في كل شئ.. بالطبع هذه مهمة اولي الامر... بمعنى اخر و على طريقة المنافسات الرياضية... ضع الجميع بنفس الظروف و بالتالي البقاء للموهوب و الاصلح غنيا كان او فقيرا...
    تحياتي لك مرة اخرى...و امنيات التوفيق لك في امسية الليلة