علاء الدين أبو زينة

نبلاء وصعاليك!

تم نشره في الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

كلما جاء ذكر المتنفذين الفاسدين -وما أكثرهم الآن- أتذكر أبيات الشاعر الجاهلي "الشنفرى"، أوس بن الحجر الأزدي: "وأستَفُّ تُربَ الأرضِ كي لا يَرى لهُ - عَليَّ، من الطَّوْلِ، امرُؤ مُتطوِّلُ/ ولولا اجتناب الذأم، لم يُلْفَ مَشربٌ - يُعاش به، إلا لديِّ، ومأكلُ/ ولكنَّ نفساً مُرةً لا تقيمُ بي- على الضَّيم، إلا ريثما أتحَولُ".
ولا تختلف روح الأنفة وكرامة الفقير في هذه الأبيات عن بقية "لامية الشنفرى" التي تحكي عن مبدعها قصة فروسية ووعي تقدمي يسبق عصره. لكنّ الشنفرى مصنف في الروايات العربية ضمن "صعاليك العرب". وهناك اختلاط ملفت في معاني كلمة "صعلوك"؛ ففي المعجم الوسيط: "الصعلوك: الفقير؛ والصعاليك: فُتّاك العرب". فلماذا هذا الجمع بين الفقر والفتك؟!
ربّما يؤشر ذلك على طبقيّة متأصلة في المجتمع القبَليّ العربي، بل وعلى شغف بممارسة وصاية مزدوجة على الفرد ومصادرة استقلاله: وصاية شيوخ القبيلة، وسطوة قانون القطيع "ضع رأسك بين الروس، وقل يا قطاع الرّوس". فإذا رأى أحد رغبة في الخصوصية لنفسه وأحبّ أن تكون رأسه عالية، عُدَّ في الشُّذاذ، أو الصعاليك. وفيما بعد، أصبح يُعدّ في الزنادقة والهراطقة. وفيما بعد البَعد، أصبح يعدّ في الزعران والثوريين الاشتراكيين. والجامع بين هؤلاء جميعاً هو أنّهم فُقراء. ولذلك، لا يَجدون ما يشترون به المَجد والتزاويق التي تخبئ فساد الذوق أو الأخلاق.
في خطاب "لامية الشنفرى" التي اجتزئت منها الأبيات أعلاه، كان الفقر خياراً، إذا كان البديل عنه هو اللصوصية والاختلاس، أو الخنوع والتبعية، أو الانتهازية والتزلف. ومع أنّ الرواة قالوا إنّ الشنفرى قتل تسعة وتسعين رجلاً وهو حيّ، وقتل الرجل المائة وهو ميت حين عثر الرجل بجمجمته فتسمم ومات، فإنّ رواية الشنفرى في قصيدته تقول غير ذلك. كلُّ ما في الأمر أنّه ضاق بالنّاس وفساد المُجتمع المُرائي، وأراد العيش مع الحيوانات التي لا تذيع السرّ، ولا تخذُل الجاني بما جرّ. ولذلك لفّقوا له كلّ هذا الفتك والقتل. ويُرجّح أن القبيلة كانت ستخلَع الشنفرى لو أنّه لم يخلع نفسه، لأنّه كان لديه قول آخر، فحسب.
يقول الشنفرى إنه يأكل التُّراب ولا يقبل أن يُعامله أحَدٌ من فوق ويتجمَّل عليه. ولو أنّه كان يستطيع أن يتحمّل الذمّ ويستمرئه، لما كان فقيراً، بل لكانَ لديه كلّ مأكل وملبس يُسمَع به. لكنّ نفسه الحُرة تأنف كل شيء لأجل الاحتفاظ بالأغلى: احترام الذات للذات. وهنا بالتحديد تأتي المفارقة في أخلاق النبلاء الفاسدين والفقراء الطيبين.
الفاسد، هو نقيض الشنفرى في الجوهر والتجلّي. في الجوهر، لا يردَعه احتمال ذمّ الآخرين إيّاه عن جشعه وكبر بطنه، ولا حاجة له بالكرامة الذاتية -بينه وبين نفسه- إذا كان يستطيع أن يشتري مظهر الكرامة أمام الآخرين. أمّا الفقر الكرامة، فليس بين خياراته، وليس من بينها الغنى مع الكرامة والاستقامة أيضاً. وفساد هؤلاء ليس شخصياً وصغيراً، وإنّما يجب أن يكون عامّاً وكبيراً وأن يجوع بسببه الكثيرون. ولذلك، يختصُّ هذا الفساد المؤثّر بالنُّبلاء، لأنّهم يمتلكون الأدوات لجمع المزيد من لوازم النبل، ولاجتناب الذأم العلني أو "المُساءلة" بالمفهوم الحديث -بالقبضة أو المال- على طريقة الأمرَين اللذين لا يحفل بهما أحد: موت الفقير وفضيحة الغنيّ.
بعضُ الفاسدين "النبلاء" يثيرون العجب. بعضهم يولد مع ملعقة الذهب. ولو جلس في بيته وأنفق من خزائنه ما شاء، أو تاجر حسب الأصول، لما نقص عليه شيء إلى ولد الولد. لكنّ طبع الكنز لغير غاية منطقيّة، مع معرفة حتمية الموت واستحالة الخلود، يغري هؤلاء بخطف لقمة مواطنيهم وسرقة أوطانهم لمجرد الشره. وآخرون، يُستأمنون على رزق مواطنيهم، من دون أن ينقصهم الجاه وجزالة المكافأة، فيطمعون في الأمانة ولا يعود يشبعهم شيء. وثالثون يستوردون طعاماً مسموماً وهم يعرفون، فيقتلون بدم بارد ويقبضون أجرة القتل، حلالاً زلالاً. فمَن هم الفُتّاك؟ ومَن الصعاليك؟
اليوم لم يعد في الأرض التي استملكها البعض وكأنها لهم "منأى للكريم عند الأذى" يقصده الصعاليك. الآن طباق ما قاله عليّ، كرم الله وجهه: "عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه".

[email protected]

التعليق