التفاوض على التفاوض!

تم نشره في الخميس 26 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً



لا يستطيع شيء في أي مكان على الكوكب إلهاء الفلسطينيين عن تعقب مسارات قضيتهم في زحام المشهد العالمي. ومع أن من الطبيعي أن يكون هاجس الوطن الشخصي طبعاً بشرياً عاماً، فإن خصوصية التجربة الفلسطينية تجعل هذا الهاجس فوقياً وطاغياً، وتجعل الروح الفلسطينية تنتعش وتنكفئ مع أطوار كل حدث يخاطب الحرية، كغاية عزيزة. ولأنّ أيدي معظمهم مكبلة عن المشاركة في حَدثهم الوطني، بخصوصيات المنفى، وبتغريب قيادتهم المفجع لهم –في الداخل والخارج- فإنهم يتحسّسون قدرهم في الأماكن البعيدة: في تصريح سياسي من واشنطن؛ في اعتراف جديد بدولة فلسطين الخيالية؛ في صعود نظام تقدمي إلى السلطة في أميركا اللاتينية؛ والآن: في ظهور كلمة "فلسطين" مخطوطة على يافطة احتجاجية، أو منطوقة في هتافات الأشقاء الغاضبين.
هذا الشتات المُضاعف، يتعلّق كثيراً بالظهور الباهت الشبيه بالغياب للقيادة الفلسطينية التي لم تعد البوصلة الأوضح لتعقب صيرورات فلسطين. وبالإضافة إلى تردُّد وضبابية خطاب القادة، وحديثهم المرتبك عن الذهاب والمكوث، هناك مسألة أدائهم الواقعي المُراوح في المكان طوال عقدين تقريباً. والمعيار الذي لا أعتقد بأنّ أحداً سيختلف عليه لقياس سويّة هذا الأداء، هو الإجابة عن أسئلة وجودية ونهائية بالنسبة للفلسطيني: هل جعلوا فلسطين الحُرّة أقرب؟ هل يعملون ليكون بوسعي أن أحزم حقيبتي وأحجز رحلتي، لدى أيّ حنين، لأزور أي مكان من وطني متى شئت، أو أختار المكوث في قريتي إذا شئت، مثل أيّ مواطن في هذا العالم؟
إذا كان بالإمكان وضع عناوين عريضة للأطوار الفلسطينية، فإن عنوان الطور الحالي هو: التفاوض على التفاوض. ويجري انشغال أم العروس هذا على جبهتين: فتفاوض سلطة رام الله العدو على العودة إلى التفاوض من جهة، وتفاوض خصيمتها، "سلطة" غزة، على تفاوض لاحق على التسوية الفلسطينية-الفلسطينية من جهة أخرى. هذا العنوان الهلامي للمرحلة يغلف كتلة من الهلام. فإذا كانت السلطة الفلسطينية علقت العودة إلى الحديث مع الكيان على شرط وقف الاستيطان في الضفة المحتلة، فماذا نسمي لقاءات عمّان هذه الأيام؟ هل نسميها "محادثات" لكي لا نسميها "مفاوضات"؟ وما الجديد الذي يزعج به الفلسطينيون نتنياهو ليقبل بالتفاوض بجديّة على إنهاء الاحتلال؟ وأيّ شيء لمسَ الفلسطينيون على الأرض في مسألة توحيد مملكتي فتح وحماس؟ هل تبادلتا أسراهما من الفلسطينيين؟ هل سمحت كل منهما للأخرى بتوزيع جرائدها في جمهوريتها الديمقراطية؟ سيجيب السؤالان الأخيران بألم على سوية أداء القيادة الفلسطينية في هذه الآونة!
شكلت "المفاوضات" مع العدو في حد ذاتها تراجعاً بإسقاطها خيار "البندقية في يد، وغصن الزيتون في يد" لصالح غصن الزيتون في اليدين. وبإهمال التوازن الضروري الذي تصنعه البندقية مع عدو مسلح حتى الأسنان، كانت حصيلة أوسلو والمفاوضات هي: منح العدو فسحة طويلة ومريحة لتوسيع مستعمراته وتضييق الأرض الفلسطينية؛ تجميع القيادة الفلسطينية التي لا يمكن التنبؤ بسلوكها في الخارج لتكون قيد المُلاحظة ورهن الاعتقال في الضفة وغزة؛ تحييد فلسطينيي الشتات الذين كانت المقاومة في الخارج تجندهم بكافة الأشكال وتُشركهم في النضال إلى جانب أهلهم في الداخل، بالإضافة إلى خلق إحساس قويّ لدى فلسطينيي 48 بأنهم يُباعون؛ تحميل "السلطة الفلسطينية" عبء إدارة الاحتلال وأمنه؛ وإيهام العالم بأن "السلطة" كيان فلسطيني مؤسسي وندّ يمارس مع نظير مكافئ (كيان الاحتلال) "التفاوض" الدبلوماسي.
الآن، يسجل التفاوض على التفاوض خطوة أخرى إلى الوراء، وإسقاطاً حتى لأغصان الزيتون من أيدي الفلسطينيين. وتقول السلطة إنها ستلجأ إلى بدائل في حال فشل التفاوض على التفاوض، البائس أصلاً، في حال لم يتم التوصل إلى شيء اليوم 26 كانون الثاني (يناير) في عمان. فهل يكون من بدائل القيادة الفلسطينية العودة إلى "البندقية في يد"، واستهداف الكيان العدواني الذي يقتل الفلسطينيين يومياً، ومصالحه أينما وُجدت؟ هل يستعاد شعار تحرير فلسطين بلا حدود مرسومة سلفاً (كما يفعل العدو بكيانه)؟ هل يقرر "القادة" الانخراط بين الجماهير في مقاومة شعبية سلمية شاملة لا تقمعها "قوات أمن" فلسطينية على الأقل؟ هل تعاد لفلسطينيي الشتات فلسطينيتهم وأملهم في العودة ودورهم في النضال؟ أليس ذلك تفاوضاً أفضل على التفاوض؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا تفاوض قبل الحصول على الدعم المطلوب (عاصم الشهابي)

    الخميس 26 كانون الثاني / يناير 2012.
    الواقع الحالي للقضية الفلسطينية سئ للغاية، ولا يمكن أن يتغير هذا الواقع المظلم بدون تغير بطاقم المفاوضات وخطة التفاوض الرتيبة، كما لا يمكن أن تنجح أي مفاوضات مع إسرائيل بدون دعم حقيقي من العرب والدول الأسلامية والدول الآخري التي تدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني . ومن هنا يجب أن يبدأ العمل بالحصول أولا على دعم هذه الدول حسب خطة واضحة المعالم، وبعدها يتم التفاوض بمعرفة ممثلي هذه الدول وليس الرباعية التي أثبتت أنها فشلت وتقدم لأسرائيل المزيد من الوقت لأبتلاع ما تبقى من فلسطين
  • »مفاوضونا العواجيز جمع عاجوز ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الخميس 26 كانون الثاني / يناير 2012.
    لو كان بين المفاوضين الفلسطينين اثنان اخران مثلك لعملوا العجائب ..ماذا ننتظر من هؤلاء العواجيز ’ جمع عاجوز الذي مضى على وجودهم على المسرح اكثر من ثلاثة عقود ونيف من دون ان نتقدم خطوة الى الامام ..هؤلاء الذين اكل الدهر عليهم وشرب و.... يفاوضون دهاة من الصهاينة بعيون ثاقية وولاء واخلاص لشعبهم، ومفاوضونا يقيسون بالسنتمتر ماذا سيجنون لانفسهم من ارباح ..كيف يمكن أن يحترم نتنياهو هؤلاء المفاوضين ، أو حتى أن يعبرهم ، ويسمع لكلماتهم التي حفظوها عن ظهر قلب ويرددوها دوما ..فيا ولدي لا تحرق نفسك كما فعل من هم قبلك ..الخطة واضحة وسنأكلها كما اعتدنا ان نأكلها في السابق ..نعم سيكون في نهاية المطاف دولة فلسطينية ، وسنحصل عليها لا اجتهادا من مفاوضينا النيام بل لأن حكومات الأفرنج ، توصلوا الى انهاء قضية فلسطين بعد أن حقق نتنياهو وغيرة ما يريدون وأكثر .وحكومات الافرنج تنظر الى حرب جديدة اطول تنعش الخزينة الأمريكية لأكثر من عشرين سنة .فالخطة القادمة حرب ضرووس بين السنة والشيعة باشراك ايران وتركيا ودول الخليج وبقية الدول العربية . وكلا الخصمان يبتاعان اسلحتهما من الولايات المتحدة الأمريكية نقدا وبالدولار