موازنة الدولة وترحيل الأزمات

تم نشره في الخميس 26 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

الملفت في معظم المآخذ النيابية على موازنة الدولة، التي تعتزم الحكومة سحبها، غياب الحوار الصريح عما يتوجب فعله على المدى الطويل لاعادة مسار المالية العامة الى نهج يتفادى تفاقم الازمات وترحيلها.
الأمر الذي يقتضي خطوات، ولو قليلة، لضبط الانفاق الجاري الحكومي على فاتورة الرواتب والاجور والتقاعد التي التهمت الموازنة والتي لم يبق منها الا القليل لأي شيء آخر.
 والكل يعلم ضمنيا العلة، ولكن لا أحد يبوح بما يتوجب فعله لتقنين الانفاق وتحقيق عدالة مفقودة عندما تحرم المحافظات والمدن الكبرى من مخصصات ترميم البنى التحتية المتآكلة.
وعوضا عن الدخول مباشرة في الخطوات التي يجب اتخاذها لمنع تفاقم المديونية عاما بعد عام، يجيء الحديث عن تقديرات غير واقعية عن الدعم الخارجي وكأن لا أحد يعلم ما الذي ينجينا من الغرق حتى الآن.
 فكيف يمكن ان يكون مبلغ 350 مليون دينار من وجهة نظر مالية النواب غير مؤكدة وكأنهم لا يعرفون أحد اهم بديهيات الموازنة الأردنية وان لم نقل عشرات الملايين من الدولارات بل ما يفوق المليارات من الدعم الاجنبي التي تدخل في كل مناحي حياتنا هي الوسادة التي تقينا شر الانزلاق الى الدرك الاسفل.
  المضحك المبكي اننا حتى الآن نتبع سياسة النعامة في مواجهة التحديات الآتية ولا نسمي الأمور بمسمياتها، ولا نملك الجرأة التي يفرضها واقعنا لنقول ان هذه الاختلالات التي شوهت موازناتنا مستمرة في الزيادة والاتساع بفعل نفس المنطق السائد.
ولا ندري أي مساءلة يجب ان تكون عن موازنة يفترض نظريا ان تعمل على تنشيط الاقتصاد وهي فعلا اصبحت اسيرة في أكثر من ثلثيها لنفقات جارية ترتفع تصاعديا مع كل حراك مطلبي لرفع راتب هنا أوهناك ان كان محقا ام لا والذي نشهده في كل يوم.
ومن المحزن عندما يتحول معظم انفاق الدولة نحو الإعالة والتنفيع لدرجة يصبح عندها الانفاق الرأسمالي قسطا كبيرا موجها لتسديد فواتير المحاباة.
ولا يتم التساؤل كيف يمكن المضي بذلك الى ما لا نهاية، ولا نجد ايا من نوابنا الكرام ممن يفترض ان يقرعوا الجرس ويعلوا الصوت بأن نهجنا خاطئ وبأن المزيد ثم المزيد سيوصلنا الى نقطة يصعب فيها التبرير للآخرين ويصعب على مانحينا التقليديين المضي بدعم عهدناه.
 ان الاصلاحات المالية التي تأجلت سنة تلو السنة بفعل الافراط في انفاق حكومي وسع من منطق الاعالة وقتل من روح المبادرة، هي أمر لا يمكن تأجيله، الا ان اجواء الشارع التي بتركيزها المفرط على الفساد تفسح المجال امام المزيد من المطالبات التي تقوض أي إصلاح مالي نحن في امس الحاجة اليه أكثر من أي وقت مضى.
المشكلة ان كثيرا من متخذي القرار في المؤسسات الحكومية التي اعتادت على صرف غير محدود في ظل غياب المساءلة النيابية لا يدركون حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الأردني. وليس غريبا عندما تكون الدولة على مر عقود قد اسهمت بطرق او باخرى بهذا التراخي، لان المخصصات كانت دائما تتوفر في اجواء بحبوحة الدعم الاجنبي والايرادات المتأتية من فترة الطفرة التي مررنا بها.

sulaiman.khaldi@alghad.jo

التعليق