إسرائيل وصوت الأذان

تم نشره في السبت 21 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

هناك من قرر في إسرائيل، في الأسابيع الأخيرة، فتح معركة جديدة أمام الفلسطينيين، في فلسطين التاريخية. هذه المرّة فإن الهجمة هي على صوت أذان المساجد. وهي قد لا تكون جديدة، إلا أن مواصفات الهجمة التي يدعمها رأس الهرم الحاكم في إسرائيل تسجل ذروة جديدة في العنصرية الإسرائيلية. وهذه ليست هجمة على حرية العبادة والمعتقد فقط، وإنما هجمة متصاعدة على هوية ومعالم الوطن والمكان.
فقبل أكثر من شهر، ظهر من جديد مشروع قانون يهدف إلى إسكات أذان المساجد والأصوات الصادرة عن دور العبادة، في مناطق 1948، وهو ما يشمل القدس التي يفرض عليها الاحتلال القانون الإسرائيلي.
ولم يخف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حماسته ودعمه لقانون الأذان، إلا أنه اضطر إلى "لفلفة ذيله" والتراجع مرحليا، بعد أن سمع معارضة شديدة حتى من وزراء يمينيين متشددين في حكومته، يبدو أنهم فكروا مرتين، وعرفوا انعكاسات مثل هذا القانون العنصري، ليس فقط بالغضب الشعبي الفلسطيني، وإنما أيضا كونه قد يشكل أنموذجا في مناطق مختلفة من العالم، تطال رموزا دينية يهودية.
وبعد أن سكتت الضجة لفترة قصيرة، عاد الأمر ليظهر من جديد. وهذه المرّة من قبل سلطات الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، سعيا منها لإرضاء عصابات المستوطنين الإرهابية. إذ قيل قبل أيام إن سلطات الاحتلال تسعى إلى  تركيب أجهزة في مساجد الضفة تسكت صوت الأذان مباشرة إذا ما كان الصوت أعلى مما تريده عصابات المستوطنين.
هذا الاعتداء ليس الأول على الحريات والمعتقدات الدينية وحرية العبادة، بل هو مسلسل لا يتوقف منذ 64 عاما من العنصرية الإسرائيلية الرسمية، إن كان بهدم المساجد واقتلاع المقابر في مئات القرى الفلسطينية المدمرة، أو مصادرة الأوقاف الإسلامية في جميع مناطق 1948، بزعم أنها ما يسمى "أملاك دولة"، استمرارا لما كان في الإمبراطورية العثمانية؛ إضافة إلى استمرار الاعتداءات على الحرم القدسي الشريف والحرم الإبراهيمي في الخليل.. والقائمة تطول، حتى نصل اليوم إلى سعي لإسكات الأذان.
وفي أجواء عنصرية متصاعدة في إسرائيل، يغذيها كبار ساسة إسرائيل، نشهد في هذه المرحلة تزايد الهجمات العنصرية الخطيرة، مثل جرائم حرق المساجد المتكررة التي تتعامل معها إسرائيل الرسمية بقفازات من حرير، أو ما تشهده المقدسات في القدس، أو التنكيل المستمر بالحرم الإبراهيمي في الخليل، أو اعتداءات عصابات المستوطنين في مدينة يافا الفلسطينية، إن كان على المساجد أو المطالبة بإسكات أجراس إحدى الكنائس بعد أن تم زرع بؤرة استيطانية على مقربة منها، وغيرها الكثير.
من الواضح أن هذه المشاريع والمبادرات الإسرائيلية هي اعتداء خطير ومباشر على حرية العبادة. وفي الوقت نفسه، يعي قادة إسرائيل حقيقة أنه حتى لو أقرت أنظمة وقوانين إرهابية من هذا النوع، فإنها تبقى أضعف من أن تطبقها على أرض الواقع، لأنها ستجد حينها أن أسطح عشرات آلاف البيوت تتحول إلى مآذن.
ولهذا، فإن الهدف من مشاريع عنصرية كهذه ليس فقط الاعتداء على حرية العبادة، وإنما أيضا تصعيد الهجمة على هوية الوطن والمكان، من خلال محاولات إضافية لتصعيد سياسة التنكيل والعنصرية، بهدف زيادة الاحتقان وجر الأوضاع نحو انفجار تعتقد إسرائيل أنها قادرة من خلاله على ترتيب أوراق جديدة لصالحها كما كان في انفجارات سابقة.
غني عن القول أنه لو كانت مثل هذه العنصرية، أو أقل منها بكثير، في مكان آخر من العالم، وكانت هوية المعتدي والضحايا مختلفين، لكنا رأينا رد فعل عالميا آخر، ولكننا غسلنا أيدينا منذ زمن طويل من احتمال تحرك عالمي يُغضب ساسة إسرائيل.
فما هي إسرائيل؟ لربما أن "أفضل" قانون كاتم للحريات في إسرائيل دخل مسار التشريع في الأيام الأخيرة، بعد أن حظي بدعم وتأييد حكومة بنيامين نتنياهو، هو حظر نعت الآخرين بالنازية، وعقوبة من يصف الآخر بالنازية تصل إلى السجن ستة أشهر.
وحقا، إن إسرائيل بعنصريتها ليست نازية، وليست فاشية، وليست حتى نظام أبرتهايد، إذ يكفي إسرائيل أنها صهيونية.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق