"تصريحات كيسنجر".. درس في المهنية!

تم نشره في الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

نعيش ونتعلم. وأحياناً يكون الدّرس قاسياً، خاصة في مهنة الصحافة التي هي أبعد ما تكون عن الخصوصية. وقد تعلمت شخصياً درساً جديداً في هذه المهنة، حين تحمست لترجمة موضوع وقع عليه زميل بالإنجليزية، وطُلب إليّ ترجمته ونشره في الصحيفة لأهميته. وفي الحقيقة، اندهشتُ لدى قراءة تصريحات هنري كيسنجر، المعروف بحصافته، عن الحرب القادمة وتدمير إيران وروسيا والصين والعرب. وكان ردّ فعلي الأولي: "لقد خرّف كيسنجر!". لكنّ ذلك لم يمنع تقاسم الترجمة مع الزملاء، ثم الاهتمام بنشرها بشكل بارز على صفحات "الغد" وموقعها الإلكتروني تحت عنوان: "كيسنجر: أصم من لا يسمع طبول الحرب". وللتوثيق، بحثت عن مصادر نشرت الموضوع بالإنجليزية على محرك "غوغل"، فوجدت العشرات، ومنها اخترت موقع "غلوبال ريسيرتش" المعروف، والذي نشره بتاريخ 11/1/2012.
ممتاز، لكنّ الحصيلة ليست كذلك، فقد جاءني بريد من قارئة محبّة لصحيفة "الغد"، عاتبت فيه على عدم توثق الصحيفة من المصدر. وضمنت رسالتها رابطاً للموقع الذي نشر الموضوع أول الأمر، وطلبت إليّ أن أنظر بالتحديد إلى عبارة مكتوبة على الشريط السفلي لصفحة الموقع، معتذرة عن نقل العبارة بنفسها. وتعقبت الرابط، ثم الشريط المخفيّ بشكل غادر في الأسفل، لأجد العبارة التالية: "الديلي سكويب هي مطبوعة فضولية ساخرة، ولذلك يجب أن تؤخذ (كلمة نابية يصعب اقتباسها) على محمل الجد". ما يعني أنها لا ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد. وكان خبر كيسنجر هذا ما يزال الأكثر شعبية على موقع الصحيفة حتى يوم أمس، مع أنه نشر هناك يوم 27/11/2011. أما في ترويسة صفحة الموقع وتحت شعار الصحيفة، فكتبت عبارة: "أفضل مصدر للأخبار في العالم، منذ العام 1862".. منتهى السُخرية، خاصة لمن لا ينتبه للشريط السفليّ! كما أن هناك إلماحاً في اسم الصحيفة نفسه "squib"، الذي يعني: المتفجرة،
المفرقعة، السخرية اللاذعة..
المهمّ، بعد البحث وإعادة البحث، تبين أن المنافذ الإعلامية الأجنبية تعاملت مع هذا الموضوع بطرق متباينة. بعضها كتب مع العنوان عبارة "تهكم بارع"، وهي التي فاتتني في غمرة الحماس لمحتوى الخبر. وبعضها أخذه على محمل الجد، وكذلك الكثير من المواقع العربية كما تبيّن. بل إنّ معظم قرّاء موقع "ذا ديلي سكويب" أخذوا الموضوع جديّاً في تعليقاتهم. فمثلاً، كتب قارئ على موقع تلك الصحيفة: "العنصري القذر، والشيطان الشبيه بهتلر، حصل على جائزة نوبل للسلام! أهي صدفة؟". وكتب آخر: "أعتقد بأن السيد كيسنجر نسي تناول أدويته يوم المقابلة، لأننا نعرف جميعاً أنه ليس بوسع الولايات المتحدة ولا الغرب تحمل حرب طويلة غير محدودة في الخليج (مصدر النفط)، وأنه كان على الولايات المتحدة أن تفكر أبكر بمهاجمة إيران عندما كانت ضعيفة، وليس عندما أصبحت لديها صواريخ تصل أي نقطة في الشرق الأوسط يمكن أن تعتبر مصلحة أميركية، بما في ذلك إسرائيل". وهناك قراء قلائل كتبوا شيئاً من قبيل: "هذا هراء".
تمكن، على الهامش، ملاحظة أنّ كاتب الموضوع الذكيّ الماكر الساخر، ألفريد هاينز، قرأ ما يدور في عقل اليمين الأميركي المحافظ حول الدفع نحو حرب مع إيران، بنفس طريقة العراق. ولذلك اجتذب موضوعه انتباه القرّاء ومرّت سخريته على الجميع، لأنّه على غرابة صدور تصريحات كهذه عن كيسنجر، يبقى من غير المُستبعد في التحصيل الأخير أن يفكر جماعة الحرب الأميركيون الدمويّون على هذا النحو. وتستحقّ التعليقات على أفكار كيسنجر الافتراضية هذه قراءة منفصلة، لكنّ ذلك ليس هو الموضوع الآن.
الموضوع الأصلي: مصداقية الموضوع الصحفي. وفي هذا الصدد، أقرأ في حادثة تصريحات كيسنجر هذه كيف أن العنوان الطاغي –موضوع الحرب على إيران هذه المرة- يمكن أن يصيب الصحفي بالحماس فيعميه عن الموضوعية والتمحيص. والغريب أنّني كنت قد كتبت في هذه الزاوية مقالاً ناجحاً جداً بنفس تكنيك الكاتب، لكنّه خدعني والزملاء، باستغلال حماس الصحفي!
عموماً، في الأول، فكّرت بأن أحتفظ بما عرفته عن مصدر الموضوع لنفسي. ثمّ رأيتُ إعلام الزملاء، وكانت ردّة الفعل مضحكة محزنة. وأخيراً، قررت أن أنشر، لأن تقاسُم الدّرس جزء من تعلُّم الدرس.. عذراً من قرّاء "الغد".

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قرات ما كتبت (acrammatar)

    الأربعاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    اخي علاء .
    انا دكتور مهندس وقليلا ما أتعاطى في الأمور السياسية .
    لكنني أعتقد ان الموضوع هذا يجب أن يؤخذ على محمل الجد .
    فكيسنجر رغم انه خبيث الا انه يشير الى ما يتمناه فعلا أن يتحقق . فكل المؤشرات الحالية تشير الى غليان عالمي ليس له نظير , فهناك امم لم يعد بمقدورهم السيطرة على تطلعاتها وهي تخيفهم لدرجة الجنون .إن اعادة ترتيب امورهم بالطرق القديمة لم يعد لها جدوى . ولا أستبعد حدوث الأسوأ ولو جاء الإستشراف من عقل أنسان نكرهه , فهو يشير الى حتمية في رأيه لا بد منها . صحيح أني لا أعرفك ولكنني تشرفت بمعرفتك .(أكرم)
  • »الحقيقة التى نغفل عنها .. (kamel)

    الثلاثاء 4 أيلول / سبتمبر 2012.
    كلام هنرى كيسنجر هو مخطط موضوع من زمن بعيد وهو لب العقيدة الصهيونية التى تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتنفيذه وقد يعتبره البعض خيالى أو مجرد اشاعات ولكنه صحيح 100% وقد ذكر ذلك فى المسيحية وهو ما يعرف بمعركة هرمجدون وأيضاً ذكر ذلك فى الاسلام فى الحديث عن فتن وملاحم آخر الزمان ..فلا عجب فى ذلك .. ولكن نحن فى حالة غياب تام عما يجرى حولنا.. والله يتولانا.
  • »موضوع مهم جدا (محمد الجندي)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    برأيي أن هذا الدرس من أهم الدروس الواجب استيعابها من الجميع بلا استثناء.. بدون حصره على الصحافيين. فهو يطرح سؤالا مهما عن مدى حصانة و تماسك جبهتنا الداخليه أمام أدوات الحرب النفسيه من إعلام أجنبي (أو عربي) أو الإشاعات أو البروباغاندا. فهل نحن مؤهلون للتعامل مع إشاعة أو خبر خبيث يطلقه أحد أعدائنا لهزيمتنا من الداخل؟ قبل أيام معدوده أشاع خبر وجود لعبه أطفال مسيئه للسيده عائشه موجة كبيره من الاستياء و حازت على موقع الصداره في معظم مواقع الصحف الالكترونيه المحليه. ردة الفعل المبالغ فيها هذه يجب أن تفتح عيوننا لمدى ضعف إدراك العديد من الناس لضرورة التحقق من الأنباء قبل اتخاذ أي موقف. الموضوع كبير جدا و يوجد مصادر ثريه لدراسة هذا العلم مثل كتاب (علم الإكراه) Science of Coerceion أو كتاب (السلوك الجماعي و الرأي العام) Collective Behavior and Public Opinion و لكني أورد قصه صغيره لأشهر كذبه في التاريخ و هي كذبة أن الجزر يقوي النظر. ففي الحرب العالميه الثانيه تفوقت بريطانيا على ألمانيا في الجو بفضل تكنولوجيا الرادار التي طورتها بالسر، فزاد عدد الطائرات الألمانيه المسقطه بشكل كبير و خصوصا في الليل، و لكي يحافظ البريطانيون على هذا السر أشاعو عبر إذاعة البروباغاندا (البي بي سي) أن السر يكمن في تناول طياريهم للجزر. و كانت حملتهم من الكفائه بمقدار، حتى أن بعض الطيارين البريطانيين أنفسهم صدقوها.
  • »الحروب حتمية تاريخية وان تأخرت (كاره للحرب)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    اصم وواهم ايضا من يظن بعكس مقولة هنري كسينجر ,فالحروب ناموس من نواميس الطبيعة وتاريخ البشرية يؤكد ذلك,فهي التي تعيد ترتيب الاشياء من جديد او بعثرتها ان شئت، ويجب ان لا نغفل حقيقة ان التاريخ يصنعه الاقوياء, اني لا ارى اي غرابة في تصريح كسينجر, بل الاغرب سيكون اعتبار الفكرة بحد ذاتها من باب السخرية او التهكم؟!
  • »عزيزي هنري (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    يا ولدي علاء الدين .فأنت وضعت نفسك في مكان رفيع الشأن في فن الصحافة العربية. وما يميزه هو المصداقية ثم المصداقية ثم المصداقية .لا تقلل البته من ذكاء قراءك. ولا تحاول ان تدخلهم في دوامات مع الخبر . بل لديك الجرأة والكفاءة والنضوج لأن تنقل الحدث كما هو دون التفليل من عقلية القاريء . وجل من لا يخطيء . ويا أجمل من يعتذر اذا وقع في مطب كان القصد منه استمالة الجميع بقراءته ..أما هذا الخبيث كيسنجر فاني اعتبره عراب اسرائيل بجعلها ابنة الولايات المتحدة الامريكية عن طريق ام بالاصل غير شرعية ،، وبحنكته جعلها اما شرعيا بكل معاير القوانين المدنية..هذا من سير سياسة الولايات المتحدة لنصف قرن، ولا يزال عرابها والذي جعل السادات ان يستقبله بلقب عزيزي والراقصة نجوى فؤاد التي سلبت عقله وعرض عليها الزواج، كما هي صرحت لاحقا ..كيسنجر هو سبب بلوانا ، واضيف الى ذلك غباء معظم قادتنا العرب الذي تمكن عزيزي هنري بأن يشتريهم بابخس الأثمان وحتى هذا الخبر الفكاهي لا استبعد أن يكون من صنع عزيزي هنري نفسه
  • »>>>>>> (هيثم الشيشاني)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    أنا أشكرك للاعتذار، يعكس مهنية و ثقة :)