د.أحمد جميل عزم

"المرأة العورة" أم صراع قوة؟

تم نشره في الأربعاء 18 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

قررت وزارة الصحة تكريمها، فاحتاطت وغيّرت نمط ملابسها، بما يلائم شروط أولي الأمر. وعند باب قاعة الحفل، افترقت عن زوجها إلى مكان جلوس النساء، ومضى هو حيث الرجال. ولكنها فوجئت بسؤالهم "من سيستلم الجائزة نيابة عنك؟"، إذ من غير اللائق صعود امرأة إلى المسرح، ولا بد من رجل.
لم تقع القصة، التي حدثت منذ ثلاثة أشهر، في السعودية، أو إيران، أو دولة عربية، فأبطالها إسرائيليون؛ طبيبة الأطفال البروفيسورة شانا مايان، ووكيل وزير الصحة المتدين. والمسلسل مستمر، ومن نشر القصة وغيرها، هي "نيويورك تايمز" وصحف عبرية. في مؤتمر "صحة المرأة والشريعة اليهودية" الأسبوع الماضي، مُنعت النساء من الحديث، فانسحب ثمانية مشاركين احتجاجا، ومؤخرا حدثت مواجهات عندما بصق متدينون يهود على طفلة عمرها ثماني سنوات، في القدس، اعتبروا ملابسها غير محتشمة. ووصف متظاهرون في القدس رئيس الشرطة بأنّه هتلر، لإصراره أن تستمر الباصات غير المقسمة (الرجال في الأمام والنساء في الخلف)، بالعمل في مناطقهم، وملاحقته من يطمسون وجوه النساء في إعلانات الشوارع.
قضية المرأة هنا كما في أغلب الأحيان والأماكن، هي في جزء منها ميدان صراع قوة وسيطرة بين جماعات مختلفة.
ليست القصة جديدة، ففي نهايات القرن التاسع عشر رفض اليهود الذين سبق وهاجروا إلى القدس الحركة الصهيونية العلمانية، وناصبوها العداء. فقبل الصهيونية كان غالبية اليهود في القدس يؤمنون أن ّواجبهم الصلاة نيابة عن يهود العالم، وليس مطلوباً منهم العمل وكسب الرزق، ولذلك فهم يستحقون التبرعات.
تراجعت قوة اليهود الأصوليين بعد الحرب العالمية الأولى لأسباب منها نجاح الحركة الصهيونية في الحصول على الدعم المالي. وعندما نشأت الدولة، عُقدت معهم تسوية؛ فرغم رفضهم الاعتراف بشرعية الدولة الجديدة، على اعتبار أنها غير دينية، ولا يجوز قيامها قبل عودة المسيح، فإنّه ولشراء سكوت هذه الجماعات، مُنحت استقلالا في إدارة شؤونها الذاتية، وتحديدا الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وطعام،...إلخ. وأعفيت من العمل والخدمة العسكرية، ومُنحت إعفاءات ضريبية، ودعما ماليا لمدارسها ومؤسساتها الخاصة.
قويت هذه الجماعات، التي تعرف باسم الحرديم (وتعني حرفيا: المرتجفون أمام الله)، وأصبح لها أحزابها المُشارِكة في السلطة، وتتفوق نسب التكاثر الطبيعي لديها على العرب. وهم المجموعة الوحيدة في فلسطين التاريخية التي تزداد الخصوبة فيها مقارنة بما كانت عليه قبل 30 عاما؛ حيث معدل أطفال الأسرة الواحدة من ستة إلى ثمانية. وتقول "نيويورك تايمز" إن تعدادهم الآن نحو مليون شخص (في إسرائيل). و"إنه بينما تذهب المرأة (في هذه الجماعات) للعمل غالبا، فإنّ 60 في المئة من رجالها لا يعملون ولا يؤدون الخدمة العسكرية".
بدأت أول أمس موجة مواجهات جديدة بين الشرطة الإسرائيلية، ومئات منهم في القدس، عندما قام البوليس باعتقال ستة من قادتهم بتهم تتعلق بخرق قوانين الضرائب، والتبرعات، وغسل الأموال. وكثيراً ما تُفضي أي محاولة لإنفاذ القانون ضد أفراد منهم إلى صدامات عنيفة، وهو ما يشير إلى عدم اكتفائهم بقوانين خاصة في الحياة الشخصية والتعليم، بل يريدون حصانة قانونية أشمل.
قد يبدو هؤلاء للوهلة الأولى علامة انقسام في المجتمع الإسرائيلي، كما أنّهم كانوا في الماضي بعيدين عن السياسة، وأيّد جزء رئيسي منهم (مثل حركة شاس) عملية السلام (مع مصر) أو وقفوا على الحياد (حتى العام 2000).
والحقيقة أنّ الانقسام الداخلي وتحقيق الوحدة في إسرائيل يتم بتصدير الأزمة إلى تصعيد العداء للعرب. وفي السنوات الأخيرة مثلا تراجعت هذه الجماعات في حدة رفضها لبناء الهيكل مكان الأقصى في هذه المرحلة، وباتت تقبل - ضمنا على الأقل- أمورا مثل دخول منطقة الحرم الشريف، بعدما كانت ترفض ذلك لأسباب دينية، وتقود "شاس" رفض المفاوضات مع العرب، ورفض الدولة الفلسطينية.
من الضروري أن نسأل العالم هل هذه هي الدولة الديمقراطية التي تتحدثون عنها في إسرائيل؟ أم هذه هي الدولة اليهودية المطلوب الاعتراف بها؟ ليس الأمر انتقاصا من معتقدات ودين أي جماعة، ولكنه تساؤل حول مدى تناغم هذه الدولة مع شرائع حقوق الإنسان ومفهوم المواطنة المتساوية.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »معضلة قديمة جديدة (ابو خالد)

    الأربعاء 18 كانون الثاني / يناير 2012.
    المثال الذي ذكرته يثبت بما لا يدع مجالا للشك في ان التعصب والانغلاق لا دين له.المعضلة التي اشرت لها رافقت اسرائيل منذ لحظة انشائها,لا بل ان الدارس للتاريخ اليهودي يكتشف ان هذه المعضلة رافقتهم منذ البداية,فالمتدينون اليهود لا يؤمنوا نهائيا بعلمانية الدولة ودائما ارتبط قيام الدولة لديهم بضرورة ان تحكم من قبل (ملك نبي),مثل دولتهم التي قامت زمن النبي الملك داوود ,اما ما قام غيرها من دول فكانت بنظرهم دول مارقة ويروي التاريخ كيف كان المتدينون اليهود يخرجوا على هذه الدول ويحاربوها.
  • »هل ستعود المرأة العربية الى عهد طالبان ؟؟؟؟؟؟ (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الأربعاء 18 كانون الثاني / يناير 2012.
    نحن يا د. عزام أخر من يحب أن نتكلم عن عورة المرأة ..فالبهود المتدينون كما ذكرت مليون نسمة .أما نحن العرب فقاربنا على 200 مليون نسمة.واصبحت هذه الجماعات الدينية المتطرفة على ابواب الحكم في اكثر من ثماني دول عربية ، والحبل على الجرار . فالاسلام المتطرف السياسي أصبع يعمل تحت المظلة الأمريكية ..وكلنا نتساءل هل ستعود المرأة الى عهد طالبان؟؟؟