د.أحمد جميل عزم

حنّا ميخائيل وآخرون.. "لا هناك إلا هناك"

تم نشره في الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

لم تضع بريطانيا اسمها على طابع البريد عند اختراعه؛ فقد وصل شعورها بالقوة والتفرد، أن اعتبرت أنها معروفة تلقائيا. وفي الإنترنت، تضع كل دولة رمزا لتمييز عناوينها الخاصة، إلا الولايات المتحدة، باعتبار أن الإنترنت لها. وفي الكمبيوتر هناك ما يعرف بالخيار التلقائي (Default).
تذكرت ذلك كله وأنا أقرأ قصة حنا ميخائيل (أبو عمر) هذا الأسبوع من ثلاثة مصادر؛ كتاب شفيق الغبرا "حياة غير آمنة"، وخبر صحفي عن إطلاق موقع انترنت له، ومقال في دورية "دراسات فلسطينية" كتبته زوجته جيهان الحلو.
تبدأ القصة بخالد الحسن وهو يحضّه على البقاء في الولايات المتحدة ليكون صوتا قويا للمقاومة هناك، فيرفض؛ مُصرّاًعلى أن يكون في الجبهة. ويغادر أميركا العام 1969، بعد حصوله على درجاته العلمية من جامعة هارفارد الشهيرة، بدءاً من بكالوريوس الكيمياء، إلى دكتوراه السياسة عن أطروحته "السياسة والوحي في الإسلام عند المواردي". وبعد أن درّس في جامعة واشنطن، حمل بندقيته وارتدى ملابس مستعملة، وعمل باحثا في مركز الأبحاث الفلسطيني، ومركز التخطيط. وتولى مهام كثيرة، منها عضوية "الجهاز الغربي" الذي يقود المقاومة داخل فلسطين. ورفض مهام تبعده عن الميدان، بما فيها أن يكون أول مندوب لفلسطين في الأمم المتحدة العام 1974. وإلى جانب ذلك، شغلته قضايا المرأة، والثقافة، بل واهتم بالمسرح، فاحتضن فرقة مسرحية في القدس اسمها "بلالين"، ووفر لها فرص التدريب والدعم. ولم تكن نهايته في مكتب، بل اختفت آثاره في مهمة نضالية بقارب في البحر العام 1976.
ليس "أبو عمر" حالة فردية أو فريدة.
طلب خليل الوزير من الشاب الجالس أمامه القادم من معسكر "نسور العرقوب" في جنوب لبنان، في آخر نقطة في مواجهة العدو على سفح جبل الشيخ حيث الثلوج طوال العام، أن يحدّثه عن نفسه. تحدث الفدائي الذي قام بالأمس، كما في كل يوم، بتنظيف فراشه من العقارب، وبعمل الاحتياطات اللازمة للحماية من الأفاعي، بأناقة تنبئ عن حقيقة والده الطبيب، ووالدته ابنة عائلة الطبري الثرية والعريقة في طبريا. لمعت عينا أبو جهاد وهو يسمع أن الشاب وعائلته يحملون الجنسية الكويتية، وأنه تخرج من جامعة جورج تاون العريقة. وفيما التزم سعد صايل الصمت كعادته، سأله الوزير إن كان يقدر على مشقة الدورة العسكرية المزمعة في سورية، فقال شفيق الغبرا (جهاد): "كما تحملتم أتحمل". كان جهاد قد قرر في العام 1975، بوحي من خطوات ميخائيل، أن يلتحق مقاتلا بالثورة.
كثيرون تركوا أفضل الفرص؛ إبراهيم أبو لغد خريج برينستون، والمحاضر في الجامعات الأميركية، ذهب إلى بيروت للتفرغ للثورة، ولم يعد إلى الولايات المتحدة إلا بعد خروج المقاتلين العام 1982، ليصبح رئيسا لقسم العلوم السياسية في جامعة نورث وسترن. ولم يطل به المقام، فعاد أثناء انتفاضة 1987، أستاذا في جامعة بير زيت، في رام الله.
ليسوا فلسطينيين فقط من فعلوا ذلك. وأعتذر إذ أسمح لنفسي بذكر اسم "حسين أبو رمان" مثلا بدون استئذانه، وهو يترك الطب في فرنسا للقتال في جنوب لبنان.
حصل "صخر حبش" على ماجستير الهندسة الجيولوجية من جامعة أريزونا العام 1962، واحتل منصبا مهماً، قبل انتقاله للثورة ولتدريب الأشبال اليافعين. ويحمل "موسى أبو مرزوق" الماجستير والدكتوراه في الهندسة الصناعية من الولايات المتحدة، ولدى "رمضان شلًح" دكتوراه في المصارف من بريطانيا.
ليست تجارب هؤلاء وردية، فقد غضبوا وأُحبطوا مرارا، وأزعجتهم أشياء كثيرة؛ كالتخبط والفساد والمحسوبية. وربما تكون ضرورة الاستفادة منهم في غير القتال المباشر فكرة جديرة بالتأمل، ولكنهم استمروا واستمرت المسيرة. وفي وقتنا الراهن، فإن قادة حركات التضامن هم من الجيل الفلسطيني الذي نشأ في الغرب؛ "هويدا عراف" الجليلية تربت في أميركا، واليافاوي "ريمي كنازي" متخصص في حملات المقاطعة الأكاديمية، ابن طبيب ناجح في نيويورك، وتنتظرهما إن أرادا قصص نجاح شخصية مهمة، ولكن فلسطين هي خيارهم التلقائي، إذا قالوا ذاهبون "هناك" يقصدون أن "لا هناك إلا هناك"، لا تستوقفهم جنسيات أو مقولات توطين.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شئ مشرف عندما نسمع بهؤلاء الأشخاص (رجاء البحيصي)

    السبت 14 كانون الثاني / يناير 2012.
    يا ليت كل فلسطيني على هذه الأرض يكون مثل هؤلاء النماذج المشرفه
  • »من أجلها تستمر المسيرة ولا بنقطع الامل (سناء بدوي)

    الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2012.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ما ذكره الدكتور في محله، وهو جدير بالاهتمام، خاصة في الوقت الراهن الذي لا يمكننا فيه التحقق من مبتغى ولا من يقف وراء الراغبين في التغيير؟؟ وفي الوقت الذي بتسابق فيه البعض من هنا وهناك، لتقاسم الكعكة، أو تحقيق المآرب الخاصة الضيقة.
    كل التقدير لمن ساروا قبلنا على درب فلسطين وصنعوا مجدها العظيم، وندعو الله أن يحقق النصر الأكيد لأن فلسطين تستحق من الكثير وربما الأكثر مما نقدم والروح النضالية دائمة الخضرة، ولن ينقطع الأمل مهما صادف السائرون من مصاعب وارهاصات..
    فالأمل معقود بنيل الحرية.. ولا زالت فلسطين في قلب وعقل الملايين من القادرين على العطاء والعظماء من شباب فلسطين والعرب والمسلمين وحتى من احرار العالم الذين لا يقل سعيهم عن العربي لنصرة قضية عادلة وشعب مكافح صاحب حق مغتصب.. والتوكل على الله قائم لا يتضعضع أبداً وإن غداً لناظره لقريب .
  • »مقالة ممتازة (قارئ)

    الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2012.
    أحسنت أيها الأستاذ الكريم.
  • »لأنها سيدتنا نستحق الحياة! (نورا جبران)

    الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2012.
    الأشخاص الذين يحملون في قلوبهم وأرواحهم ولاء مطلقا لقضية ما، لا يمكن أن تحيد بوصلتهم عن هذه القضية، ومهما ابتعدوا عنها تبقى تلّح عليهم حتى يبرّوا بها ويعودوا إليها ... فلسطين التي أبدعت وصفها سحر خليفة في رواياتها "بالغولة" لا تزال تحيا وتلح على خيرة أبنائها بأنها تنتظرهم وبأن لا كرامة لنبي "إلا" في وطنه!
    تواجه العائدين صعوبات كبيرة.. يصطدمون بحياة القيود والاحتلال والتضييق، ويصطدمون بنفوس شعب أرهقته سنون الاحتلال التي تزيد على الستين، وقد شوهت في نفوسهم ما شوهت، وأكلت من أرواحهم ما أكلت، ولكن أصحاب البصيرة التي تهتدي بحب الوطن والانتماء إليه لا يثنيهم ذلك عن متابعة الدرب، ومهما كانت الظروف والمغريات والألقاب والعوائد، تبقى العودة والعمل الحقيقي في الداخل هاجسهم حتى يعودوا إليها ... وكما يقول درويش "مسّنا هاجس الغائبين فارتكبنا السفر" كان خطيئة أو جرما ارتكبناه -وإن كان رغما عنا- ولكنا نملك الرجوع والاعتذار بالعمل والإنجاز لتحرير الإنسان الذي تعرض لتشويه مقصود وممنهج من قبل الكيان الصهيوني.. ليست الأمور وردية إطلاقا، وليست العودة بالرومانسية التي نتصورها، ولكن المحب إذا ما أحب بكل ما فيه، ذهب إلى حيث يحب بكل ما فيه.. ولعله رسول حمزاتوف من يقول بأن الجديرين بالتضحية في هذه الدنيا "وطن حنون، وامرأة رائعة" وفلسطين أرض حنون.. حنون جدا.. ولا زالت على العهد تلفظ الاحتلال وتنتظر، وما بدّلت تبديلا...