علاء الدين أبو زينة

عذراً.. عندي "توجيهي"!

تم نشره في الخميس 12 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

عفواً، لست أنا الذي يقدم امتحان التوجيهي، لكن عندي "توجيهي" فعلاً وكأني أقدمه، لأنّ ابنتي تقدم هذا الامتحان. وقد فكرت بالاعتذار عن كتابة مقالي هذا في موعده بعد أن تلقيت لوماً شديداً من "وزارة الداخلية" على عدم ذهابي لانتظار ابنتي عند باب قاعة الامتحان ودعمها هناك. وقالت أم العيال التي تنوب عني في هذه المهمة، إن عشرات السيّارات تتزاحم على باب المدرسة، وفيها الكثير من الآباء الغائبين عن أعمالهم، والأمهات، بل الأعمام والأخوال أحياناً، فلماذا أنا غير مهتم ولا أتغيب عن عملي؟! وقد شعرت بالذنب لتقصيري في "الدعم"، وفكرت فعلاً في الاعتذار عن العمل –وكتابة المقال- والذهاب إلى هناك حتى أكون أباً صالحاً.
وقبل ذلك، كان الاعتذار حاضراً منذ بداية العام عن عدم استقبال الذين يفكرون في زيارتنا أو في دعوتنا لزيارتهم، بالعبارة التي لا تُناقش: "أعذرونا.. عندنا توجيهي". ولا حاجة للحديث عن تغيُّر عادات المنزل وعلاقات ساكنيه، زيادة على تبريد الصلات الاجتماعية عاماً أو جُلّه. وكلّما اقترحتُ أن هذا غير لازم، وأنّ الطالب يجب أن يمرّ بهذه السنة الدراسية مروراً اعتيادياً بلا توتّر ولا نحيب، جاء الاقتراح الأكثر واقعية بأنّ هذه سنة "تقرير مصير"، تجُبُّ ما بعدها وتؤسس لما بعدها، فكيف لا تقف العائلات على أصابع الأقدام عند أبواب المدارس، ولا تقوم الاشتباكات المسلحة بين الأهالي وقوات الأمن؟
نعم.. إن التوجيهي لا "يوجهك" -بمعنى أن يدلك على الوجهة- وإنّما يفرض عليك وجهة ربّما لم ترغبها وتضطر إلى العيش معها غصباً طوال عمرك. وكَم من طالب حلُم بأن يصبحَ مهندساً معمارياً، فأرغمه التوجيهي على أن يصبح مؤرخاً رديئاً؛ وآخر عشق الكيمياء، فجعله مجموعه في الثانوية مدرّس جغرافيا يكره الخرائط. ودائماً هناك الاستنطاق المشروع لعدالة التوجيهي: ماذا لو تفوَّقت طوال سنواتك المدرسيّة، ثمّ كبوتَ لسبب ما في هذه السنة "المصيرية"؟ ولماذا تحرمك علامة اللغة العربية من التخصص في الرياضيات؟ وبعد كلّ شيء، ما الجدوى من جَلد أبنائنا وحثهم إذا كان مجموع 90 % لا يكفل قبولاً جامعياً في تخصص عادي، ويؤهل صاحبه للدراسة فقط في التعليم الموازي أو الجامعات الخاصة مع صاحب مجموع 65 % وبنفس الكلفة؟!
بهكذا معطيات، لا عجب أن تنقلب على رأسِها حياة البيوت التي يحتلُّها التوجيهي بظله الثقيل، وأن تعتذر عن الحياة الطبيعية خلال زيارته المتعبة. ولا مناص أيضاً من تكريس هذه الخبرة مع "تقرير المصير" العجيب طبعاً ثقافياً غالباً. أفَلا توجد في العالم المتحضر أيّ بدائل تصلح ليصبح هذا الشأن أكثر عادية وجدوى؟ وهل أنجزت التغييرات التي أبدعناها في متعلقات التوجيهي وآلياته إلى الآن أيّ فارق لتحسين التعليم، فوضع الأردن، وتخليص النّاس من خبرة نخس الإبر الإجبارية بهذه الطريقة؟
للمسألة علاقة بالناس، وبالعقل الذي يخطط للتعليم. يجب علينا التخلص من الفكرة التي تجاوزها الزمن، والقائلة بأن قيمة الناس تتحدد بشكل هرمي قدَري حسب المهنة: طبيب، مهندس، صيدلاني، محام.. إلخ. وأعتقد أن ذلك جاء من زمن كان فيه الطبيب والمهندس ينطلقان طائرَين في الطريق السريع إلى الثروة. لكنّ المعطيات تغيّرت وما تغيّر الهاجس. وأذكر في هذا الشأن صديقاً درس الطب، ثم تخصص، ثم ذهب لتحصيل "البورد" في أميركا ليصل أول الثلاثينيات قبل أن يكسب قرشاًّ؛ في حين درس آخر التكييف والتبريد سنتين بعد الإعدادية فتفوق، وذهب إلى الخليج صغيراً وأسس عائلة في وقت قصير. ثمّ، كيف لا نحفلُ بالإنسانيّات ونعتبرها معرفة فائضة ولا تستحقّ المكافأة أو العناء؟!
والأهم: لا بد أن تعود أسس القبول في الجامعات منطقية ومعقولة وطبيعية، فحسب. ولا يتسع المقام لشرح معايير القبول المجرَّبة التي تمكن استعارتها من الدول المتقدمة. وثمة وسائل كثيرة لتقريب الطلبة من الاختصاص فيما يتقنون، وللاشتغال على صناعة ثقافة تعيد الاعتبار لكلّ المهن اللازمة جميعاً وتجعلها محترمة اجتماعياً ومجزية لأصحابها. ينبغي أن يحترم العقل المخطط جدية التعليم وخطورة العبث به، ويكفّ على الخلط بين المصلحة العرَضية والاستراتيجية، ويجعل كفاءة المنتج أول وآخر المعايير. وأختم بالاعتذار إذا شابت كتابتي عصبية، فعندي توجيهي!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شهادة التوجيهي (د. عاصم الشهابي)

    الخميس 12 كانون الثاني / يناير 2012.
    أولا، أنا أشعر مع كل شخص يتقدم لأمتحان التوجيهى ومع عائلته التي تعاني أصعب الأوقات ، ولكن مع مع الأسف لا يوجد حاليا طريقة أفضل من أمتحان التوجيهي لتقيم من يرغب بدخول الجامعة،وماذا يستطيع أن يدرس. وبالرغم من ذلك يعرف المسؤولين في وزارة التربية والتعليم وأستاذة الجامعات بأن علامات شهادة التوحيهى مرتفعة جدا ولا تتناسب بالضرورة دائما مع ذكاء وقدرة الطلاب الناجحين. ولذلك أقترح، أن يتم إحتساب علامات شهادة التوجيهى خلال إجراء الأمتحان على مرحلتين وخلال آخر سنتين في الثانوية، وبحيث يتم إجراء كل سنه إمتحان لعدد من الموادالمقررة. فهذا يخفف من الضغط النفسي، ويقدم مقياس أفضل لقدرات كل طالب. وهذا النظام يطبق في بريطانياوأثبت نجحاه.
  • »الاعتماد على علامات اخر 5 سنوات (ه.م)

    الخميس 12 كانون الثاني / يناير 2012.
    مقال جميل ، وانا مررت في هذا التحدي ولم أقبل في تخصص الحقوق في الجامعة الاردنية التي تبعد عن منزلي 10 دقائق بسبب علامة ونصف فذهبت الى اربد لأدرس الحقوق بعدما حصلت على منحة التفوق الرياضي . انا من رأي ان لا يتم فقط الاعتماد على التوجيهي فقط بل اخذ اخر خمسة سنين من المدرسة وبناء على متوسط المعدل يقوم الطالب بالاختيار ويتم ذلك من خلال وضع شروط قبول لكل تخصص مثلا ان يكون متوسط علامات الطالب في مادة الرياضيات في الخمس سنين 90 حتى يقبل في الهندسة (مثال). لأن سنة التوجيهي لا تعكس طوال ايام الدراسة فكما قلت ماذا لو كنت متفوق طوال السنوات الدراسية واخفقت في التوجيهي؟ ضاع المستقبل
  • »الله يعينها! (ماجدة)

    الخميس 12 كانون الثاني / يناير 2012.
    الله يعين ابنتك على هالسنة والسبب في ذلك إنها مجدة (أحسبها كذلك)، وغيرها الكثير في مدن أخرى يحصلون على الإجابات وهم في داخل القاعة ، أقسم أحد معارف أخي أنه يعرف طالبا في مدينة السلط لا يمتلك كتب التوجيهي ، ويذهب للامتحان وتأتيه الإجابات وهو ينقلها في القاعة.
    قد يحصل هذا الطالب (تجاوزا نسميه طالب) على معدل أعلى من معدل ابنتك ، وسيدخل الجامعة بمنحة وووو
    فعلا شي بسم البدن.
    تمنياتي بالتفوق لابنتك.
  • »الزائر الثقيل الظل كل عام (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الخميس 12 كانون الثاني / يناير 2012.
    بعبع يهدد كل عائلة اردنية لها اولاد يذهبون الى المدارس الثانوية ..يزور الأهل كل عام ويحتل الصدارة بدون استئذان . وينغص حياة كل الاسرة . ويجعلهم اسرى لجبروته وقسوته وظلمه .ويجعل حياتهم جحيما لا يطاق قبل الامتحانات بأشهر ، وخلال الأمتحانات ، وبعد الأمتحانات . ويغير نفوسا ويبدد احلاما الى كوابيس تلازم المواطن طيلة حياته وتقلب الاسرة رأسا على عقب دون أن ترحم أو تميز ما تبطشه من المواطن ونجعله انسانا ثانيا كله احزان ونكد ..التوجيهي زائر ثقيل على كل اسرة احد افرادها يقدم التوجيهي .وزائر أثقل على وزارة التربية والتعليم . وبطلانه لا يؤثر البته على دخول شيابنا وشاباتنا الى الجامعات الوطنية او الاجنبية .فنتائج علامات التوجيهي للصفوف الثلاث كافية لالحلاق أي طالب أو أي طالبة في اكبر جامعات العالم ..فما فائدة التوجيهي اذن ؟؟