محمد برهومة

عوائق أمام موقع "حماس" الجديد

تم نشره في الجمعة 6 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

يُغري الاستعداد لبناء نظام إقليمي جديد في المنطقة العربية، على وقع تأثيرات "الربيع العربي"، أن تكون حركة حماس جزءا من بيئة الإسلام السياسي الصاعد في المنطقة. التشدد السياسي والعزلة الإقليمية والدولية يجعلان الشعبية الواسعة التي تحظى بها "حماس" غير مستثمرة سياسياً. قد يكون تولي الحكم طريقا لتليين الأيديولوجيا، والحقيقة أننا سنحتاج إلى بعض الوقت لنختبر ما إذا كانت تحولات "حماس" الأخيرة ذات طابع تكتيكي أم استراتيجي، وسنحتاج أيضا وقتا لنعرف هل هي بالفعل تحولات أم مجرد تكيّف جذوره غير عميقة.
وبابتعادها عن القمع الدموي الذي يقوم به النظام السوري ضد المتظاهرين، نجت "حماس" من الوقوع في خطأ كبير كان سيساوي ربما الخطأ الذي وقع فيه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حين وقف مع صدام حسين في احتلاله الكويت. وابتعاد "حماس" عن سورية يعني تغيّرا في التحالفات، وليس بلا دلالة أن يستثني إسماعيل هنية سورية وإيران من جولته الإقليمية الأخيرة. لكنّ خروج "حماس" من سورية وعليها لم يماثله خروج على طهران. وصناعة التحالفات البديلة لـ"حماس" بعد الابتعاد عن سورية يستلزم لدى بعض الأطراف العربية المؤثرة أن تخوض "حماس" مثل هذه الخطوة. وقد أفادت تقارير صحفية بأن السعودية، مثلاً، تبدو حذرة من الانفتاح على "حماس" في ثوبها الجديد ما لم تعلن الحركة موقفها الصريح من السياسات الإيرانية المناوئة لمنطقة الخليج العربي.
والراجح أن الحركة لا تريد خسارة تحالفاتها دفعة واحدة من دون أن تتوافر لها بدائل مؤكدة عنها. من هنا تأتي خطوة انفتاح "حماس" على الأردن برعاية قطرية. وزيارة خالد مشعل إلى الأردن بصحبة ولي عهد دولة قطر، التي تأخرت، مرتبطة بحسب الناطق باسم الحكومة راكان المجالي، بجدول عمل الشيخ تميم، ولم يبلّغ الأردن بموعد الزيارة حتى الآن، بحسب تصريحات المجالي لصحيفة "الشرق الأوسط" (3/1/2012). وأضاف المجالي أنه ليست لديه معلومات حول انتقال عائلات بعض قياديي "حماس" إلى الأردن مؤخرا.
يفترض أن "حماس" اليوم بعد التعديلات التي أقدمت عليها تجاه "منظمة التحرير"، قد أصبحت شريكا أساسيا في إدارة السلطة الفلسطينية وفي صناعة المستقبل الفلسطيني. و"حماس" أمام اختبار التغيّر عبر "الدخول في السياسة" وتدوير الزوايا وحيازة القبول الإقليمي والدولي في بيئة عربية جديدة يحظى فيها الإسلاميون بحضور قوي واعتراف دولي. وإذا تجاوزت "حماس" العوائق الإقليمية، فستبدو الاعتراضات الإسرائيلية أقل تأثيرا.
قطر وتركيا ومصر ما بعد مبارك، تشكل داعما ورصيدا يصبّ في مصلحة إعادة تموضع "حماس" في بيئة إقليمية مختلفة. وبرغم ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن أحدا من الأطراف الدولية الأساسية لم يغير موقفه حتى الآن من "حماس". ومن هنا تبدو أهمية الأردن ودول مجلس التعاون الخليجي في دعم موقع "حماس" الجديد أو التزام الحذر بشأنه. في المقابل، فإن شكل "حماس" الجديد، إذا ما قُدِر له أنْ يمتد ويستمر ويتواصل، سيعتمد أيضا على مدى صلابة صفها الداخلي في وقوفه خلف المصالحة مع منظمة التحرير وتبني "المقاومة الشعبية"، وتجنّب الفخاخ الإسرائيلية، وصولا إلى المنافسة على السيطرة على مؤسسات المنظمة والحديث باسم الفلسطينيين لا باسم فصيل بعينه.
هذا كله له استحقاقات من غير المعروف إذا ما كانت "حماس" جاهزة لها، سواء على مستوى تغيير محتوى الخطاب أو السياسات، أو التهيؤ لقبول معطيات سياسية دأبت "حماس" على رفضها. فالكل يدرك أنّ الرئيس الفلسطيني أراد من المصالحة أيضا تقوية موقعه القيادي السياسي والتفاوضي، والشراكة مع أبو مازن تعني الابتعاد عن منطق الهيمنة على الساحة الفلسطينية، وتعني أيضا أن "حماس" ستكون داعما لتحسين شروط المفاوضات والتسوية لا رافضا مبدئيا لها، وبغير تجاوز هذا العائق السياسي سنعود للحديث عن تكيّف جزئي لا عن تحوّل استراتيجي.

التعليق