علاء الدين أبو زينة

الكيان: هوس الجدران وعقلية الغيتو!

تم نشره في الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

قرار قادة الكيان العدواني في فلسطين بناء جدار على "حدوده" مع الأردن ليس حدثاً استثنائياً إذا وُضع في سياقاته الأعم. فعلى الرغم مما يُقال عن خوف الكيان الطارئ على المنطقة من المحيط "المعادي"، تؤشر تركيبة "الغيتو" اليهودي المعروفة عالمياً على رسوخ نزعة الشك في العقل اليهودي ورعبه من الآخر، أيّ آخر، والاطمئنان فقط إلى الانكفاء والعزلة. هكذا شكلت فكرة الغيتو والجدران عنصراً بنيوياً أصلياً في العقل الذي أنتج هذا الكيان.
تقول "ويكيبيديا" إن مصطلح "الغيتو" جاء من مدينة فينيسيا الإيطالية (البندقية)، لوصف المنطقة التي اضطر اليهود إلى العيش فيها. ومن اللافت والموحي استدعاء اسم "البندقية" في الذاكرة البشرية الحكاية الشكسبيرية الشهيرة "تاجر البندقية". وفي الواقع، ثمّة الكثير مما تمكن قراءته عن مسبّبات نشوء الغيتو في سلوك المُرابي اليهودي "شيلوك"، الذي دلّه جشعه على تقاضي ديونه رطل لحم يقطعه من أي جزء يشاء من جسد أنطونيو الحيّ. وقد استمرّ هذا الانفصال الذي يتاخم العداء بين سكان الغيتوهات ومواطنيهم الآخرين، حتى استغلوه أخيراً لترويج فكرة "اليهودي الضحية"، ثم تبرير جعل الفلسطينيين ضحية للضحية، بل أضحيَة يقدّمها العالَم على مذبح التكفير عن خطيئته في حقّ جماعة الغيتو.
وهكذا، جاء قرار نتنياهو الكيان يوم الأحد الماضي بناء "الجدار الأمني" على حدود الأردن ليكون حلقة أخرى فقط، تُضاف إلى جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية وجدار سيناء الجنوبي. وبعده، أعلن أمس عن جدار لبنان. والغاية النهائية، إلى أن تقرّر إرادة شعوبنا وسيرورة التاريخ إعادة المنطقة إلى طبيعيتها، هي أن ينشأ غيتو حقيقي في فلسطين المحتلة، بجدران حجريّة وبوابات تُقفل من الداخل. والأملُ هو تخليق شعور زائف بالاطمئنان في نفسيّة مريضة بالقلق في الأساس، والتي تدرك أنَها تفعل كل ما يجلبُ عليها الكراهية وعداء المحيط، على طريقة "شيلوك".
كما نقلت الأخبار، فسّر نتنياهو بناء الجدار على حدود الأردن بأنه سيقام لمنع تسلل المهاجرين الأفارقة من هُنا، بعد إغلاق الحدود مع مصر بجدار أيضاً. وما نعرفه عن فاصل الكيان الحدودي عن الأردن، أنه يتكون من سياجين تفصل بينهما أرض عازلة رملية تمسحها الكاميرات والأضواء والدوريات، ويجري تجريفها وتمهيدها كل الوقت لتظهر عليها آثار أقدام فأر صغير أمام قصاصي الأثر المحترفين. وبهذا الوصف، يكاد يستحيل على عصفور اجتياز هذه الحدود، ناهيك عن تمكّن متسلل إفريقي فقير وجاهل بجغرافية المنطقة من اجتيازها.
بطبيعة الحال أيضاً، لا يصدق عاقل أن بوسع أي جدار حجري أو إسمنتي، مهما علا، حماية دولة وشراء الأمن لها في العالم المعاصر. وواقعياً، أصبحت جدران الحماية الحجرية أثراً للفرجة في القلاع والحصون البائدة، أيام كانت وسيلة الحرب هي الخيل والسيوف. وليس أسهل اليوم من اصطياد أيّ مكان بالصواريخ العابرة حتى للقارات، أو إسقاط أيّ أسوار بالمتفجرات. لكنّ أمر جدران الكيان أشبه بمن يتغطى بقطعة من الكرتون ويخفي تحتها عينيه وهو ينام في الشارع، ثم يتوهم أنّه آمن لمجرد أنّه لا يرى الخارج فحسب.
ثمّة بدهية أخرى تتعلق بجدران الكيان: إنّ إغلاق الحيز أمام الآخرين وحجزه عنهم، يعني تماماً إغلاق الحيز على الذات وحبسها في العتمة والضيق. ويستدعي هوس الكيان الدفاعي البائس الخائف بالجدران، مفهوماً نسبه علماء الاجتماع إلى الغيتو بالذات: Hypergettoization. ولا تسعفني في اللحظة خبرة الترجمة في تعريب هذا المفهوم بكلمة واحدة، لكن هؤلاء العلماء استخدموه ليعني: "التركز المفرط للفئات المحرومة من الامتيازات في مناطق مخصوصة داخل المدن".
وحسب العلماء، ينتج هذا التركز المفرط تداعيات مدمرة، أقلها: مفاقمة اختلاف أهل "الغيتو" عن المحيط الأوسع؛ وتدمير الهياكل الاجتماعية الداخل-مدينية. وفي المحصلة، يكون هذا الإفراط في الانكفاء قشة تقصم ظهر مؤسسة الغيتو الاجتماعية الهشة أصلاً، وتصيبها بكل ما يُفقر ويدمّر. وبالقياس، يفصح الكيان، وريث عقلية الغيتو، عن نفس الهوس بالاختباء داخل جدران حجرية غير نفاذة للضوء بالتحديد. ويفضح هذا المسلك البائس فقر الدعم الأخلاقي للعقل المدرك لعدوانيته، وفظاعة رعبه من انتقام ضحاياه. وحسبه بؤساً تعلقه بوهم أمن الجدران، فهي –حرفياً- قشّة، وتقصم!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دعهم يقيمون جدرانهم (ابو رائد الصيراوي)

    الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2012.
    دعهم يا سيدي ليقيموا جدرانهم كما يريدون ! فان ذلك احدى معجزات القران الكريم الذي اتى به الوحي على سيدنا محمد قبل 1400 سنة , فلقد ورد بالقران انهم اي اليهود لن يقاتلونا الا من وراء جدر , وهاهم يبنون جدرانهم بالضبط كما ورد بالقران الكريم ويجب ان نشجعهم على الاسراع ببنائهم لان ذلك سيكون ما ينتظره المسلمون لقتال بني صهيون.
  • »صدق الله عز و جل فيهم (Murad)

    الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2012.
    صدق الله عز و جل فيهم فقال عز من قائل في سورة الحشر:
    " لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون "