إبراهيم غرايبة

ما بين الميلاد والزراعة

تم نشره في الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

"هو ذا الزارع قد خرج ليزرع" (إنجيل متى).
معلوم أن رأس السنة الشمسية هو يوم الاحتفال بمولد المسيح عليه السلام، وليس يوم مولده. وترجح دراسات مسيحية أنه ولد يوم 17 حزيران (يونيو)، ولكن يوم 25 كانون الأول (ديسمبر) هو احتفال تقليدي سابق للمسيحية، ابتهاجا بالموسم الزراعي الجديد.
وبين الزراعة والميلاد شبه كبير؛ فكما تنبت البذرة يولد الإنسان. والواقع أن المسيحية دين زراعي بامتياز. وقد اعتاد كثير من المسيحيين القول بأنهم مسيحيون دينا ولكنهم ينتمون إلى الحضارة والثقافة الإسلامية، ولكني أقول بأني مسلم دينا، مسيحي ثقافة وحضارة، لأن المسيحية استوعبت التراث الآرامي القائم أساسا على الزراعة، بما تعنيه وتقتضيه من عطاء وسلام وتمدن وطرق. فالحضارة الآرامية في توسطها وامتدادها في الصحارى والسواحل والجبال والشمال والجنوب، وتنوع المكان وغموضه وتقلباته، وجدت التقدم في قيم السلام والإبداع القائم على الطرق والمقايضة والكتابة والمهارات والإتقان والثقة التي جعلت هذا المكان حلقة وصل بين أجزاء العالم.
وللحفاظ على هذه الموارد وإدامتها والتحايل على هشاشتها وتقلباتها، كانت قيم العدل (الدين في الآرامية تعني العدل وكذلك المدينة) والسلام والثقة والاتقان، فالإنسان الموثوق والمتقن هو المؤتمن على تجارة الناس وقوافلهم وأموالهم، والقادر على إدارتها وهي تتحرك بين الصين وآسيا إلى أفريقيا والغرب المتوسط والشمال البعيد، وتعبر البحار والصحارى والجبال.
ولأجل أن يظل الإنسان في هذا المكان قادرا على الاستقرار ولا يحتاج إلى الرحيل والبحث الدائم عن الدفء والطعام والأمان، كانت الزراعة والصناعات الغذائية والدوائية هي مدخل هذا الاستقرار؛ فكان الخبز والنبيذ والملح أساس هذا الاستقرار والتمدن، فمن دونها يظل الإنسان مرتحلا وغير قادر على بناء المدن وإدامة الطرق والممرات وحماية القوافل وتنظيمها.
ولذلك ظلت المنتجات الثلاثة مقدسة وكأن الدين لا يتم بغيرها، واعتبرت دم المسيح وجسده. ونحن نصِف الخبز في الثقافة العربية الإسلامية بأنه "مصحف الله"، فنهبّ لرفع الأذى عن قطعة خبز تعرضت للمهانة والرمي، نقبلها ونرفعها فوق رؤوسنا ونحن نتمتم بفزع "حيشاك يا مصحف الله"، لأن إهانة الخبز يجلب غضب الربّ! والمسألة على نحو ما هي إهمال الزراعة والأرض، سواء لغياب قيم العمل أو العدل والسلام الذي يجلب الاستقرار والتمدن وإدامة الزرع. ولذلك، فإن البدوي المجاور للفلاحين رأى أن ضعفهم يأتي من مواردهم وهي الزراعة، فلأجل الحفاظ عليها وحمايتها يلجأون إلى تفاهمات وتسويات ويتجنبون القتال.
 وكان الغزاة يختارون أوقات البيادر للإغارة والنهب، فنصحهم ببساطة "أحرقوا البيادر". فتلك البسالة البدوية والصحراوية والقدرة على الإغارة والتحرك السريع مردها إلى غياب مكان أو مورد ثابت، وفي قدرته على الحركة المتواصلة يقدر على الدفاع والقتال. ولكنها قدرة مشروطة بألا تملك شيئا سوى سيفك، وألا ترى في الحياة ما يستحق العناء سوى بقائك حيا!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل العرب شعب واحد ..ام عرب واعراب .. (م.فتحي ابو سنينه)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    مقاله رائعه ربما نحن بحاجه لها للاجابة على سؤال من نحن , حيث اختلط الحابل بالنابل في العقود الاخيره بحيث تهنا في تعريف انفسنا وانتماءاتنا الحضاريه وتشكيلة وعينا بعد ان طرات على ثقافاتنا مفاهيم جديده استغربنا عشعشتها في اوطاننا , وبعد تغلغل ثقافه ليست منا ولا تنتمي الى جغرافيتنا ,واقصد بالجغرافيا هي بلاد الشام التي ننتمي اليها جينيا وتشكيلا وثقافة وفكرا , الا اننا تهنا في هذا الانتماء واختلط العرب بالاعراب وتشوهت مفاهيم ومباديء نلمسها حتي بتفكيرنا بماهية الارض وجواز التضحيه والقتال في سبيلها , فمن لا يقدس الارض غير مؤهل للدفاع عنها , ومن يستسهل الحصول عل الثروه "النفط" لا يمكنه البناء للمستقبل بل سيبددها , ومن يعتنق مبدا من الصعب تغييره والتدين صفه لازمه وفطريه كما ذكرت نابعه من الارتباط بالارض والزراعه لشعوبنا هنا , ومن هنا تعدد الفتاوي والتفسيرات ممن لا ينتمون الى جغرافيتنا او الى روابطنا المقدسه بالعمل والزراعه , وهذا ما يدعوننا دوما للقول اننا شوام , ولسنا خليجيين ولا يربطنا معهم ما يربط بيننا كسوريين وشرق اردنيين وفلسطينيين او لبنانيين , وتفكيرنا يختلف , ولهذا تجد التباين في انظمة الحكم والحريات وتوزيع الثروه والتاريخ والارتباط بالاجنبي والعلاقات مع الجوار التي ننظر اليها كانها قدر لا نستطيع تغييره بعكس الاخرين اللذين ربما يفكرون بطرق اخرى , وحتى التفكير باسرائيل والموقف في الصراع حيث تختلف فيه المنطلقات من منطلق ديني بحت الى منطلق ارتباط وتقديس للارض وعملية اغتصابها وسرقتها وتغيير معالمها
  • »غضب الصحراء (ابو خالد)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    "احرقوا البيادر" و"احرقوا النخل"ايضا,كانت هذه البساطة في الايذاء من قبل الغزاة الذين اختاروا اسهل المهن ,الرعي وما رتبته هذه المهنة المتواضعة من ديانات مغايرة تماما,القمرية,والتي اتسمت ,كما اشرت بضرورة تملك السيف وأصعاد روائح المحرقات للتتنسمها السماء فتهدأ ثورة غضبها,ولكن مثل هذه الاغارات للنهب كانت مسؤولة عن اثراء اللغة ,فأصحاب البيادر ,وعندما كانوا يتفاجأوا بالمغيريين ,لم يكن يملكوا الا ان يصيحوا :"ليسايت","ليسايت",والتي تحورت شيئا فشيئا الى لص .