علاء الدين أبو زينة

كتابة على منديل ورق!

تم نشره في الأحد 1 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 1 كانون الثاني / يناير 2012. 12:35 مـساءً

هل قلّ المُحتفلون برأس السنة، أم أنّ عزلة الفرد تكبرُ هي الأخرى مع صاحبها في عالمنا المنعزل، فيكلُّ البصر عن رؤية المحتفلين؟ لا فرق! لكنّي أعرف أن المحتفلين قلّوا واحداً على الأقلّ؛ لَم أعد أستمرئ فكرة الغناء والصخب لغياب عام آخر؛ ولَمْ أعد أسجّل في ليلة رأس السنة جردة الحساب السنويّة المُعتادة على دفتر اليوميّات، ببساطَة لأنّ الأفكار أصبحت تتكرر: العام الماضي مثل القادم، ولا شيء يتغيّر سوى التّفاصيل!
لكنّ العام الذي انقضى كانَ مُختلفاً؛ هكذا يجب، أو هكذا كتَبَ الجميع منذ احترق بائع الخُضرة الحزين في السوق التونسيّة. وينبغي أنْ نكون قد تغيّرنا نحن أيضاً في حمأة ثورة البشر لنجدَة الإنسانيّة المُهانة والمتعَبة. وقد رأينا الأردنيّين أيضاً يخلعون القناع الزائف عن فكرة الاستقرار، ويُحاولون بأيديهم العارية نحتَ طبقات الزّواق السميكة غير المُتقنة عن العفن المتراكم تحت قشرَة الأمن الظاهريّ. كُنّا طوال هذه السنين في هذه المناطق الصحراويّة نجترحُ الأمل دائماً من فداحة اليأس. وفي كلّ رؤوس السّنين التي قصفها الزمن، لَم يكُن يتغيّر سوى التفاصيل. وخلف الشُقق الحجرية التي أسلمتنا إلى الدّيون، ومع السيارات المتكاثرة التي رهنتنا للبنوك، كانَتْ العربة كلُّها تزحفُ إلى الوراء، بالشوارع والعمائر وقاطنيها. فبماذا كُنّا نحتفي؟ كانَتْ الرُّوح تزداد قَفراً، فقط.
هل تغيّرنا في العام 2011؟ نعم، كبُر فينا السُّخط فأيقظنا الأمَل، فوضَعانا في قبضة الانتظار. وانفتحتْ عيوننا على المشهد الواسع من البؤس البشري: قتلى في العراق؛ مشرّدون في نيويورك ومدريد؛ جوعى في الصومال؛ مُتظاهرون يُغتالون في حمص؛ قصف في بنغازي؛ جنود ينتهكون خصوصية جسد صبيّة في ميدان التحرير أمام عيون الكاميرات؛ سيارة أحرقتها الطائرات في غزة؛ اغتيال حلم الفلسطينيين بدولة في الأمم المتحدة؛ عشرات الأسباب التي تغصُّ بها صدورنا للاحتجاج؛ وشرطيٌّ يضرب متظاهراً في عمّان بمنقل شُواء.
هل تغيّر علينا شيءٌ في 2011؟ شاهَدنا الناس يخرجون من إسار الخوف والجدران إلى الشوارع والساحات المفتوحة على الضوء، لكنني أزعم أنّ معظمنا لم يكن أكثر فرحاً وأقلّ عُزلة. ربّما أصبح بعضنا فقط أكثر اشتباكاً مع توقُّع قلق مشوب ببعض الأمل. وبشكلٍ ما، أصبح ثمّة سببٌ جماعيّ للهروب أماماً، إلى الخلاص المنتظر في السنة الوليدة بدل الانفعالات المختلطة في السنة المحتضِرة.
في حضور السنة الجديدة، أردت أن أكون جديّاً في الكتابة بما يكفي، كما يليق بكاتب سياسي في صحيفة، فأحلّل وأتوقع. ولسبب ما، ألحّت على البال فكرة خاصة، أكثر من الثورات والتظاهرات.. وبدا لي الحديثُ عنها شأناً شخصيّاً بامتياز وغير ذي صلة. لكنّ الخاطر ألحّ وكأنه يقول: هناك صِلة، هناك صلة!
ذات مرة، في عيد ميلاد أثير، كتبتُ لصاحب العيد شيئاً على منديل ورق أحضروه مع الكعكة. وجهدتُ في تسجيل العواطف التي لملمتها من فضاء المكان الشاعري على النسيج الرقيق بسنّ القلم الدقيق، فلا أمزقه. واستعنت ببراعة اللغة وعاطفة المشهد لأصنع من المنديل الذي بلا معنى شيئاً قميناً بحمله في حقيبة اليد، وربّما حفظه في طيّات كتاب أو في صندوق الذكريات.
الآن، في جردة الحساب السنويّة، أتساءل عمّا حدث لذلك المنديل الورقيّ وأحاول أن أتذكر ما الذي كتبته ورسمته عليه. لكنّني أفكر: إنّ المناديل الورق لم تُصنع للكتابة عليها ولا لتكون هديّة في عيد ميلاد. ثمّ إنّه لا يهمّ ما حدث للمنديل بعد أن ذهب صاحب المنديل نفسه. إنّ الذي يهمّ هو النهايات، النّاس الحقيقيون وما حدث لهم. وحتّى لو كان الكلام منقوشاً بإزميل على صخر، فإنّه يظل تمريناً في اللغة إذا لَمْ يدلّنا على الوجهة ويغيّر شيئاً جوهرياً في الكينونات.
قال خبير عن العام الذاهب، إنه كان فترة انتقال فقط في العالم العربي، وليس عامَ تحوُّل. وإذن، ما يزالُ علينا أن نشهد التحوُّل، وأن لا يكون ما أملناه وكتبناه مجرد خربشات على منديل ورق هزيل النسيج. نريد أن نعثر على سبب لنسيان مشاهد المأساة، ولاستعادة الشغب بالكتابة في دفتر اليوميات في كل ليلة رأس سنة وليدة: حقاً، لقد تغيّر شيء. سنة سعيدة!

[email protected]

التعليق