منار الرشواني

تكلفة الربيع العربي

تم نشره في الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

خلال بضعة أشهر فقط، تضاعفت تقديرات تكلفة الربيع العربي، اقتصادياً، في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن وسورية. ففي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قدرت مجموعة استشارات الإدارة الدولية "جيوبوليسيتي"، مجموع تكلفة "الربيع" في هذه الدول بـ54.75 مليار دولار أميركي، ليقفز الرقم مع شهر كانون الأول (ديسمبر) الحالي إلى ما يزيد على 100 مليار دولار، بحسب تقديرات مجلس الوحدة الاقتصادية، التابع لجامعة الدول العربية.
لكن هذه الأرقام، التي لا بد وأنها تصاعدت أو حتى تضاعفت مرة أخرى خلال  الأيام القليلة الماضية، لا يمكن أن تتبدى حقيقتها ودلالتها إلا بقراءتها مترافقة مع حجم الفساد في الدول السابقة.
وبحسب مؤشر مدركات الفساد للعام 2011 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فإنه من بين 183 دولة وإقليماً، تقبع كل من ليبيا واليمن وسورية ومصر وتونس في المراكز 168، و164، و129، و112، و73 على التوالي، ولتكون بذلك في غالبيتها العظمى ضمن الأعلى فساداً في العالم. وقبل ما يزيد على السنة، قدر أمين عام المنظمة العربية لمكافحة الفساد تكلفة الفساد في الدول العربية عموماً، خلال الفترة 1950-2000 وحدها، بما يقرب من ألف مليار دولار شكلت ثلث إيرادات هذه الدول إبان تلك الفترة. فيما ذهب ألف مليار آخر للتسليح الذي ظهر جلياً اليوم أنه يستهدف الشعوب وليس الأعداء الخارجيين. وكل ذلك جاء، حتماً، على حساب البرامج التنموية، بغض النظر عن توازنها أو تشوهها، والتي لم يكن نصيبها سوى الثلث المتبقي فقط.
بهذه القراءة فقط، يكون منطقياً وضرورياً القول إن تكلفة الربيع العربي، أياً كان حجمها، لم تكن لتذهب أبداً إلى جيب المواطن مباشرة، أو ليجنيها بشكل غير مباشر على الأقل عبر برامج تنموية تستهدفه صحياً وتعليمياً وثقافياً وسواها. وبعبارة أخرى، فإنه إذا كان ثمة خسائر تترتب على الربيع العربي، فهي للآن خسائر تطال الأنظمة في الدول السابقة وحدها، والتي كانت تستأثر بموارد تلك الدول بما يشبه النظام الإقطاعي، وحيث تحول المواطنون إلى أقنان يُلقى إليهم بالفتات الذي يبقيهم أحياء لمواصلة خدمة السادة الحاكمين. بهذا المنظار يُفهم تماماً تهديد (وليس تحذير) نظام الأسد في سورية، وقبله نظام القذافي في ليبيا، بالحرب الأهلية عوضاً عن الإصلاح الحقيقي؛ فالمسألة لهما ليست أوطاناً تصان، بل إقطاعيات مدرة للثروة بفضل عمل المستعبدين.
في المقابل، وبالنسبة للمواطنين الثائرين والمنتفضين في اليمن وسورية للآن بعد تونس ومصر وليبيا، فإن خسائر هؤلاء الحقيقية تشمل فقط كل الفترة التي سبقت ثوراتهم وانتفاضاتهم، وهي خسائر لا يمكن بأي حال تقدير عمق حجمها بالنظر إلى الجوانب المتعددة للدمار الذي خلفه الفساد على الصعد التنموية المختلفة؛ تعليما وصحة وثقافة، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية. أما التكلفة التي يدفعها هؤلاء المواطنون اليوم، بما في ذلك أرواحهم قبل أرزاقهم، فهي ليست إلا الثمن لإيقاف خسائر عقود طويلة بفضل الاستبداد. وهو ثمن يتوجب دفعه للمرة الأخيرة في سبيل استعادة أصول الأوطان، وفي القلب منها استعادة مواطنة الإنسان.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أي ربيع هذا ؟ (د.محمد عبد الرحمن)

    الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    لقد فرحنا فرحة انتظرنا أن نحصد منها الديموقراطية التي نشتهي ، ، وأن نرى أنفسنا وقد تحررنا من ظلم الظالمين ، نعم هذه هي أمنياتنا . . . ولكننا كم من العقود ، وليس السنين ، لندفع ، أوحتى تدفع الأجيال القادمة ثمنا ملؤه الفوضى والضياع ، ، وهل سيتركنا الطامعون ، وبكل ساطة ، أن يكون الربيع ربيعنا ، ، وان الألم يعتصر قلبي أن منطقتنا قد أدخلت ، أو أدخلناها ، بسذاجة ، مرحلة تخبط ، لا يعلم الا الله متى ستكون نهايتها ، ، وان الرخاء أو الاستقرار الذي ننشده بقي كالسراب نهرول وراءه ويهرب منا ، ، وها نحن نرى بأم أعينناكم حصد أعداؤنا ، خير الحصاد مما كان لهم بحكم الأمنيات ! .
    وعودا الى بدء ، فان من يظن أن هذا الربيع ن كحد أدنى ، أعطى فرصا وظهورا وتقدما للجماعات الاسلامية ، أقول له بأني لعلى يقين بأن الغرب واسرائيل لن تدعهم يحصدون نتائج نجاحاتهم عبر صناديق الاقتراع ، ،